جواب سؤال عن تعارض حديثين، والكلام على زيادة "مِن غير داء" في حديث النهي عن الوش
جواب سؤال عن تعارض حديثين، والكلام على زيادة "مِن غير داء" في حديث النهي عن الوشم والوصل والنمص...
وجَّه إليَّ أحد الأخوة الأفاضل سؤالًا مفاده:
روى أبو داود (٤١٧٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لُعِنَت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء".
وروى أحمد (٣٩٤٥) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النامصة والواشرة والواصلة والواشمة إلا من داء"، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.
في الروايات المشار إليها نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من غير داء".
ونجد في صحيح البخاري ما يعارض ذلك، فنجد مِن حديث عائشة أن امرأة من الأنصار زَوَّجَت ابنتَها، فتَمَعَّطَ شعر رأسها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكَرَت ذلك له، فقالت: إن زوجها أمَرَني أن أصِلَ في شعرها، فقال: لا، إنَّه قد لُعِنَ المُوصِلات.
فما الجمع أو الترجيح؟
الجواب: الجمع فرع عن التصحيح، وقد ظهر بعد البحث أن زيادة "إلا من داء" في حديث ابن مسعود و"من غير داء" في حديث ابن عباس كلاهما شاذة، والله أعلم.
وتفصيل ذلك:
رواية ابن مسعود يرويها عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عَزْرة، عن الحسن العُرَنِيِّ، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق، به.
وعبد الوهاب صدوق ولكنه له أوهام.
قال الإمام مسلم في التمييز: والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم.
والحديث مروي في الصحيحين من حديث إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود بدون هذه الزيادة (إلا من داء).
ثم إن عبد الوهاب قد خولف في هذه الزيادة، فقد روى النسائي هذا الخبر من رواية خلف بن موسى العمي عن أبيه عن قتادة بإسناده بدون هذه الزيادة.
وقد خالف عاصم الأحول قتادة في سند الخبر ولم يذكر هذه الزيادة أيضًا، قال الطبراني في الكبير ٩٤٧٠ - حدثنا محمد بن جعفر الرازي، ثنا أبو بكر بن أبي الأسود، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، قال: سمعت عَزْرَة، يقول: إن أبا العالية، قال: قال عبد الله بن مسعود: «لُعِنَت الواصلة، والواشمة، والفالجة، والمتنمصة».
فظهر شدة شذوذها عن عبد الله بن مسعود، وهناك رواية أخرى يرويها الشعبي عن الحارث الأعور، وهذه أمرها مكشوف فالحارث متهم بالكذب.
وأما خبر عبد الله بن عباس فقال أبو داود في سننه ٤١٧٠ - حدثنا ابن السرح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة، عن أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس به.
أقول: وأسامة هنا هو ابن زيد الليثي صدوق يهم، ومِن الناس من يتوقف في قبول خبره إذا انفرد، فكيف بزياداته، وقد روى غيره هذه الخبر بدون تلك الزيادة (من غير داء).
ففي مصنف ابن أبي شيبة ٢٥٢٢٤ - حدثنا محمد بن بشر، عن أبي أسامة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والموصولة».
وفي مسند أحمد ٣٠٥٩ - حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس به بدون هذه الزيادة.
وسند ابن أبي شيبة قوي، والأكثر أولى بالحفظ كما يقول الشافعي، فزيادة أسامة شاذة، والله أعلم، والشاذ لا يقوِّي الشاذ لأن كليهما من قبيل الضعيف جدًّا. وقد يُجمَع بين الأخبار على فرض صحة خبر من غير داء، وذلك متروك لمن يريد إعمال ذهنه في ذلك.