كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الاحتكام للغوغاء والدهماء

المصدر
الاحتكام للغوغاء والدهماء تصور أن للإمام مالك اختيارا فقهيا يخالف فيه جعفرا الصادق أو والده الباقر وأن مالكا أخطأ في هذا الاختيار كيف سينظر أهل السنة لهذا وكيف سينظر الإمامية القائلين بعصمة الصادق والباقر؟ أهل السنة سينظرون إلى الأمر على أنه اجتهاد يؤجر عليه مالك، وإن أخطأ فخلافيات الفقهاء المجتهدين للمصيب منهم أجران وللمخطيء أجرٌ واحد. وأما الشيعي الإمامي فسينظر إلى الأمر بصفته جرأة عظيمة من مالك أن يفتي في حضرة المعصوم وأن مالكا كمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم أمره لأن الراد على المعصوم كالراد على النبي صلى الله عليه وسلم الخلفية العقائدية أثرت على الموقف من هذا الخطأ العلمي من الإمام مالك واليوم في ظل ثقافة الإنسانوية والولاء والبراء الوطني والحداثة ومركزية الإنسان؛ خطأ العالم في مسألة التكفير مثلا هو أعظم من خطئه في إنكار أمور ثابتة من الأحكام أو الغيبيات. لأن الخطأ في التكفير له أثره في الموقف من الإنسان وله أثره على ما يسمى الوحدة الوطنية وكما أن الشيعي في المثال السابق يرى أن علة خطأ مالك مجرد مخالفته للصادق المعصوم بيد أن السني يرى أن علة صواب جعفر، إنه معه الدليل ويجوز أن يكون مالك مصيبا في مسألة أخرى فكذلك أنت تخطئ عالما في مسألة من مسائل التكفير أو التبديع بناء على البحث العلمي وتجُّوز أن يكون مصيبا في مسألة مشابهة بيد أن المتشبع بالقيم الحديثة يخطيء القول لذاته لأنه ينبني عليه مخالفة قيم الحداثة أيا كانت أدلته فمن يرفض خطاب التكفير من أصله لن يكون حكما عدلا في تحديد ( ما هو الغلو في التكفير وما هو التكفير المنضبط ؟ ) فالأمر عنده مرفوض من أصله ويلحق بالدهماء من حددوا مواقفهم من بعض المسائل العلمية وفقا لرؤى حركية بعيدا عما يقتضيه البحث العلمي المنصف ومع الأسف كثير من المنتسبين للعلم في زماننا صاروا يستفيدون من هذه النفسية في إسقاط خصومهم فيركزون على كلامهم في النوع الذي يخالف قيم الحداثة سواء كانت صوابا أم غلطا وإن كان غلطا هل هو غلط الاجتهاد أم غلط البدعة هذا لا يهم كل ما يهم إسقاط الخصوم أو في الفوز في السجال العلمي غير أن الفوز لا يتلازم مع الفوز في الآخرة نهائيا ولهذا إصلاح ذوق الدهماء أولى من الاحتكام إليهم في سجالات علمية متخصصة والشعور بتحقيق انتصارات وهمية ففي النهاية ليس هم الدهماء من سيحاكم تاريخك العلمي والذين بعد موتك ببرهة زمنية سينسونك وتكون عندهم مجرد أطلال ذكرى وهم إلى من يَرَوْن شاخصا أمامهم أقرب تأثرا وإن كان دونك في كل شيء بل سيحاكمك متخصصون سيشعرون بالاشمئزاز من أساليبك التي كنت تستخدمها والأدهى والأمرّ؛ الحساب أمام الله عز وجل والعالم حقا وظيفته إصلاح الدهماء لا استغلال جهلهم والانحرافات التي تسللت إلى قلوبهم وهم لا يشعرون فإن من كان كذلك هو دجال صغير وليس من العلم في شيء.