كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الواقع الاقتصادي المسيطر على حياتنا وحلول شرعية أدركها حتى بعض الملاحدة !

المصدر
الواقع الاقتصادي المسيطر على حياتنا وحلول شرعية أدركها حتى بعض الملاحدة ! هذه مقتطفات من ندوة الباحث ديفد غريبر عن كتابه "الديون: أول ٥٠٠٠ سنة"، وهذا الكاتب ملحد أناركي أي يؤمن بحكم المجتمعات لوحدها من غير سلطات تفرض قوتها، ابتدأ بذكر سبب نشأة فكرة الكتاب بأنه التقى بشخص فذكر له -ديفد- انه كان في مدغشقر يعمل كناشط لأن صندوق النقد الدولي IMF كان يطالب مدغشقر بدفع الديون التي عليهم من الأموال التي استلموها في برنامج مكافحة أزمة البعوض الذي قتل أكثر من ٧٠٠٠ طفل، فهو -ديفد- كان من ضمن حملة "يوبيل ٢٠٠٠" (اليوبيل عيد يهودي يكفرون به عن الديون كل ٥٠ عام) والذي يطالب بإزالة الديون عنهم، فيقول -ديفد- "كانت ردة فعل الشخص بكل بساطة "لكن بالطبع عليهم أن يدفعوا ديونهم!" وكأني لم أذكر ٧٠٠٠ طفل قتلوا وغيرها، ففكرت في نفسي ما هي المواقف الأخرى التي يجيب فيها الشخص بكل أريحية وبكل ثقة عن شيء مثل هذا غير موضوع الديون؟ فمن هنا جاءت الفكرة بأن أبحث عن الديون وتاريخها وماهيتها وماذا تعني وما كان المراد منها الخ" "وجدت أن معظم المعاملات في التاريخ كانت معاملات ائتمانية" "أمر الديون يتحكم بمعظم أمورنا اليوم؛ الدول المعاصرة تعمل على تمويل العجز، اقتصاد المستهلك يعمل على الديون، العلاقات الدولية كلها متعلقة بالديون.. ومع ذلك لا أحد يعلم ما حقيقتها ولم يكتب أحد عن تاريخ الظاهرة" أقول أنا عبد الله : كثير من النشطاء يظنون أن صلاح الدنيا يتم من خلال إصلاح النظام السياسي فحسب وكثير منهم يطرح فكرة الديمقراطية وسلطة الشعب على أنها المخلص وهذه النظرة السطحية هي السائدة اليوم على المشهد والعجيب أنك تجد المرء منهم يتحدث عن حكم الشعب وهو عنده قناة على اليوتيوب يتذمر فيها باستمرار من جهل الشعب وأنه يريد تثقيفهم وتعليمهم والنظام السياسي له تأثيره ولكن واقع الأمر أننا في عالم عولمي تحكمه شركات رأسمالية وتم تقسيم الأداور بين الدول بحسب مواردها الاقتصادية ومساحتها الجغرافية وقيمتها الديمغرافية ( عدد السكان ) وهذه العوامل تؤثر في حياة أفراد المجتمع أكثر من تأثير النظام السياسي لهذا تجد الدول المتجاورة في افريقيا بل وفي كل العالم تختلف أنظمتها ما بين نظام عسكري ونظام ديمقراطي ونظام ملكي وتجد حال الفرد فيها متقارب لأن الحالة الاقتصادية محكومة بالعوامل المشار إليها نعم قد يوجد تحركات من هنا وهناك ولكن بحسب ما تسمح به الحالة العامة ولنعد إلى ديفد غريبر تكلم ديفد بتوسع عن الأصل التاريخي للديون الربوية الموجودة في زماننا والتي كالعادة حاول أن يظهر المنظرون الغربيون أنها التطور الطبيعي لحالة البشر وأن ما سواها بدائية ( هذه عادتهم في ترسيخ أي فكرة ) يقول ديفد : "آدم سميث في عام ١٧٧٦ هو من أنشأ قصة تاريخ الاقتصاد المعروفة الآن: بأن الناس كانوا في العصور القديمة تتعامل بالمقايضة ثم بعدما تطوروا في الصناعات ووجدوا أن كثير من معاملات المقايضة لا تحل كثير من المشاكل حيث أن أحد الطرفين قد لا يريد الأمر المتقايض أو المستبدل فلذلك قرروا على جعل العملة واحدة كالذهب وعملوا النقود وأصبحوا يتعاملون بها. لكن المشكلة في هذه القصة أن منذ ما نشرها آدم سميث قبل ٢٠٠ عام إلى الآن ونحن نبحث حول العالم عن وجود هذه القصة وعن وجود حالات المقايضة في الأماكن البدائية ولكننا لا نجد أي مجتمع يتعامل في كل معاملاته بالمقايضة، هذا لا وجود له! وآدم سميث نفسه لم يكن له خبرة بذلك بل كان يُنَظّر فقط، ومازالوا يحكون هذه القصة في دراسات الاقتصاد لسبب ما" ثم يقول : "فالقصة التي اخترعها آدم سميث عن نشأة الاقتصاد ليست فقط خاطئة بل مقلوبة، فإن المعاملات الإئتمانية كانت هي الأولى إلى فترة ٣٠٠ ما قبل الميلاد وأول مدونة تاريخية للفوائد المالية ظهرت في مدونة سياسية في السومر حيث كان الملك يتكلم عن جيرانه المحتلون لأراضيه التي هو استحقها فقال فيها "هؤلاء المحتلون ظلوا عشرون عاما، فلو حسبنا كمية أجار السكن في نفس هذه العمارات في هذه الأراضي على مدة هذه الفترة بالفوائد المضاعفة سيخرج لنا عدد كذا وكذا" طبعا كان مراده من هذا الرقم الخيالي الحرب" ثم يقول : "في القرون الوسطى، كثير من تلك الأموال النقدية تم وضعها في الكنائس والمعابد فأصبحت الأديان العالمية تتحكم بتلك الأنظمة الائتمانية من جديد. فعلى سبيل المثال، في الشرق الأوسط، في البصرة ما بين ٨٠٠ الى ٩٠٠ ميلادي، تم اختراع الشيك، ولفظة شيك أصلا عربية والتي تعني الشيك المعروف، فكان يقال أن غالب المعاملات كانت بواسطة الشيك. وهذا شي طريف لأن كثير من الناس يظن ان العولمة المالية شيء جديد ولا ينظرون الى أصل لفظة شيك وكاش، فلفظة شيك عربية وأما كاش فهي لفظة تاملية تعني الأموال الصينية، كيف حصل هذا؟" = = "ما يفعلونه في الصين عادة هو ان الحكومات تضطهد الشعوب عندما يجدونهم يبتكرون شيئا جديدا لصالحهم ومن ثم يقولوا "حسنا، حسنا، سنعطيها لكم"، بينما في المجتمعات الاسلامية كل شيء مخصص، فهناك اختلاف تام في المبادئ، ففي الإسلام، خاصة في تلك الفترة، تكونت أول ايدلوجية حقيقة للسوق الحر. وهذا شيء عجيب، وأنا أعلم أن هذا الأمر سيزعج كثير من الناس، ولكن أفضل أفكار وأفضل كلمات آدم سميث أخذها من إسلام القرون الوسطى، مثلا فكرة مصنع الدبوس مأخوذة من مصنع الإبرة للغزالي، والذي تحققت بماذا؟ بالشريعة! لأن الشريعة هي قانون مدني يعمل خارج إطار الدولة، فنتيجة لذلك يمكن الحصول على السوق الحر، وبما انهم يتخلصوا من الربا، بدلا من إلغاء الديون الذي استمر في الصين وأماكن أخرى، تصبح الفوائد غير قانونية، فيمكنهم ان يتوسعوا في هذا السوق خارج اطار الدولة فيمكنهم كتابة شيك في مالي وتحويله إلى كاش في اندونيسيا. وبما انهم حققوا سوق حر حقيقي، لا يعتبرون المنافسة أمر رئيسي، انما هو عامل صغير، بل يفترضون ان الأمر كله مساعدات متبادلة" أقول : تأمل تصريحه بأن الناس سينزعجون من مدحه للاقتصاد الإسلامي ( إن صح التعبير ) وحقيقة تصويره لواقع الديون في الإسلام دقيق فإنه اقتصاد أخلاقي لا يقبل بالفوائد الربوية بل قطَع الحيل على ذلك وإن من الأمور المؤسفة أن كثيراً من المتكلمين بالفقه في زماننا بحجة ( مواكبة العصر ) أباحوا بعض الحيل الربوية في المعاملات البنكية بل وقرأوا الإسلام قراءة كاملة تعتمد على محاكاة الدولة الحديثة التي تتحكم بعامة الأموال وما يسمونه المال العام وتسترق الأفراد في منظومة الوظيفة التي لا ينطبق عليها تعريف الإجارة ولا تعريف المضاربة ولا الرق القديم بل هي مزيج من هذه كلها منحاز للمالك مع التضييق على التجارة بحجة التنظيم وهم يظنون بذلك _ أعني الفقهاء العصريين _ أنهم يواكبون العصر والواقع أنهم ياخذون سماً مخففاً ويضيّعون على الناس فرصة التعرف على الحلول الإسلامية الأصيلة ويختم ديفد محاضرته باستعراض يقول في آخره :" وكذلك تمويل رأس المال حيث أصبحت معظم أرباح الشركات الأمريكية لا تأتي من صناعة ولا بيع أي شيء بل عبر المضاربات المالية، وأصبحت هناك شعارات "الائتمان سينقذ العالم"، "القروض الصغيرة ستنقذ العالم الثالث" “خطة ال٤٠١ ألف" "الرهانات العقارية" وكل تلك الأمور التي ستنفجر في عام ٢٠٠٨. والسؤال لماذا؟ لماذا أصبحت الأمور بهذا السوء؟ لأننا لدينا سلسلة من أزمات الديون، أولا أزمة ديون العالم الثالث، والآن أزمة الديون الأخرى. والسبب في ذلك أقول، هو بأننا نسير في الأمر بالشكل المعكوس" أقول : هذا من معاني قوله تعالى : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (15/25) :" ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله. ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره عموما وخصوصا ولا حول ولا قوة إلا بالله". المتنبي ومعضلة التحسين والتقبيح العقليين يقول المتنبي لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال . عامة الملاحدة والماديين ( بمعنى من يحصرون الوجود بالمادة المشاهدة الآن وما يمكن كشفه بالقدرات البشرية الحاضرة ) ونفاة الفطرة من المتكلمين يفسرون سلوكيات البشر غير النفعية مثل السخاء والشجاعة والإيثار بتفسيرات تؤول إلى نفعية دنيوية فمن التفسيرات العجيبة التي رأيت بعض الأخوة يذكره على بعض المتكلمين مثنياً على عقولهم وإن كان يخالفهم أن العدل من الملوك مأخذه نفعي فإنهم يخافون أن تدور الدوائر فيرحمهم الناس كما هم رحموا الناس وهذا المعنى وإن كان في نفسه موجوداً إلا أن تفسير ( الظاهرة الأخلاقية ) به سطحية بالغة وذلك أن هذا المعنى إن كان معقولاً في العدل فكيف يعقل في الشجاعة وفي الشجاعة عطب النفس كما يقول المتنبي ومخاطرة ظاهرة وكيف يفسر به السخاء فيقال مثلاً المرء يسخو لأنه يخشى أن يفتقر فيأتي من يتصدق عليه كما هو تصدق على الناس فإن هذا المعنى بعيد فهو قد يفتقر وقد لا يفتقر فكيف يضحي بالمنفعة الحاضرة من المال الذي بيده من أجل شيء مظنون هذا بمنزلة أن يأتي إنسان لشخصين يقول لهما أنا عندي بضاعة في البحر اشتروها مني ولكن لا أدري هل تسلم أم لا تسلم وإن اشتريتم لا أعيد لكما المال فاشترى أحدهما والآخر قرر ألا يشتري لأن في الأمر مغامرة فحال الاثنين واحد عند كثير من الناس وربما فضل الأكثر الثاني ولكن الذي نراه في فطرة عموم الخلق حتى البخيل منهم أنهم يثنون على السخي أن يستحسنون صنعه حتى الفلاسفة النفعيون لا يمكنهم الاطراد مع هذا ويزيد الأمر وضوحاً أن معظم الناس لا يختارون هذه الأخلاق العالية ولكنهم يثنون على أهلها فلو كان الدافع إليها غريزيا لرأيت عامة الخلق يفعلون ذلك ولكن كما تشير إليه أبيات المتنبي غالب الخلق على غير هذا وخلاصة التفسير الكلامي أن الناس يرجحون بين الشهوات فالعادل يدرأ شهوة الظلم في مقابل شهوة البقاء في حال ذهاب ملكه والظالم يرجح شهوة الظلم في مقابل شهوة الفناء عند ذهاب ملكه فما الذي جعل ترجيح العادل أعظم في نفوس الناس ؟ هذا ما يدل على وجود فطرة أو ما يسمونه أخلاقاً موضوعية أو أثر للإيمان باليوم الآخر الذي يجزى به الناس على ما بذلوه في الدنيا وإن كانت الشياطين حرفت هذه الفطرة وجعلتها طلباً للشرف والذكر كما هو حال العرب قبل الإسلام إذا فهمت هذا أمكنك إقامة الحجة عليهم ومن يزعم أن الأخلاق أوجدها الفقراء أو الأغنياء يغفل عن المعنى أعلاه خصوصاً وأن عامة الأخلاق غير إلزامية فالسخاء إنما تلزم الزكاة في الدين وإكرام الضيف ثم ما زاد على ذلك تطوع لذا هو نفع غير متحقق ضرورة وهؤلاء لما نفوا الخالق والآخرة اضطروا إلى تفسير الظاهرة الأخلاقية فدخلوا في هذا التخبط ومن آخر خبطهم دعواهم أن الجينات هي من يحرك لهذا لأنها تريد البقاء فتحمد التضحية بالأقل لأجل الأكثر لأن في ذلك حفظاً لأكبر قدر من الجينات وهكذا الجينات عندها حكمة وتريد البقاء ولكن لماذا تريد البقاء ؟ وقد يورد عليهم المرء العناية بالمعاقين والضعفاء وكيف أن القلوب تنكسر عليهم حتى أن الأب يكون له أولاد كثير أقوياء وبهم تنتقل جيناته ويكون له ابن معاق فيعطف عليه أكثر من البقية ، ولهذا هم لما طردوا أصولهم انتهوا إلى النازية وقتل المعاقين حفاظاً على الموارد وما كان الناس يفعلون هذا قبل انتشار فلسفات القوم فكيف جميع البشر لم يهتدوا إلى التطبيق الصحيح لفلسفة أخلاقهم إلا أن تكون هذه الفلسفة غير صحيحة أصلا ولو تأملت تعليل أصحاب الجينات ستجده قريباً من تأويل بعض المتكلمين بل وستجده أقعد من كلامهم خلافاً لمن يقدم أهل الكلام مطلقاً على الماديين الغربيين فإن كلا الفريقين معرض عن الوحي وفيه من التناقض الشيء العجيب وفي الحديث ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ، إذا فقهوا) وإنما كان الناس يتفاضلون في الجاهلية بالأخلاق التي أشار إليها المتنبي ولا يمكن أن توضع منظومة أخلاقية شاملة دون النظر في الحكمة الإلهية واستحضار أمر الآخرة ولهذا تشابه كلام نفاة الحكمة الإلهية مع نفاة الآخرة من أوجه عديدة في تفسير الأخلاق وسموها في النفوس