كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

نبي الله هود معجزة خفية وحجة بينة...

المصدر
نبي الله هود معجزة خفية وحجة بينة... من أكثر الأنبياء الذين تؤثر قصتهم في نفسي نبي الله هود، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما ظهر في قصته آية ظاهرة (والتي اشتهر تسميها بالمعجزة) حتى قال له قومه: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين}[هود]. علما أن حجته ظاهرة، فهم لا بينة عندهم على عبادة الأصنام إلا تقليد الآباء القريبين، وما علموا حال الآباء الأبعد، وقد كان آدم موحداً، وقد علموا أن هذه الأصنام صنعها بشر، فقبل صنعتها ما كانوا يعبدون؟ فما نفع الأوائل نفعهم فربك قريب مجيب، فتقليد الآباء في أمر معلوم الإحداث هذه حجة وقتية متناقضة، وتجد أهل الباطل في كل زمان يفعلونها. كمن يقلد المشيخة المتأخرين في محدثات وأحوال قد علم أنها ما كانت عند الأوائل، بل علم أن الأوائل على خلافها، لهذا تجده نافراً من كتبهم ثم يظهر نفسه بمظهر تعظيم العلماء، ويقصد بهم بعض المتأخرين أو جماعة منهم ممن كان منحرفاً أو كان فاضلاً ولكنه زل في أمر، وهذا يقلده في زلته، ويحتج به في كل محفل. وكما أن قوم هود ما فهموا أن البينة تلزمهم، وأن الرجل جاءهم بالبينة واقترحوا بينة من عند أنفسهم ثم قالوا (ما جئتنا ببينة) فكذلك أهل الباطل في كل زمان كمن يشترط لقبول الحق أن يقول به عدد معين من الناس، أو بعض المتأخرين، مع يقينه بكلام المتقدمين به، أو أن يكون المتكلم به على صفة معينة، مع أنه ما أحال الأمر على نفسه، وإنما أحاله على حجة مفهومة وكلام لمتقدم متفق عليه. ومثلهم من يأبى الحق لأنه يرى المسلمين ليسوا (متقدمين) في نظره، وهذه كلها ممحاكات. غير أن العجيب في حال نبي الله هود ما قاله ابن القيم في مدارج السالكين: "حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام، حتى قال له قومه {ياهود ما جئتنا ببينة} [هود: 53] ومع هذا فبينته من أظهر البينات، وقد أشار إليها بقوله: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 54 - 56] ، فهذا من أعظم الآيات: أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ولا فزع، ولا خوار، بل واثق مما قاله جازم به، قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم، ومما هم عليه إشهاد واثق به، معتمد عليه، معلم لقومه: أنه وليه وناصره، وأنه غير مسلطهم عليه. ثم أشهدهم -إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة- : أنه بريء من دينهم وآلهتهم، التي يوالون عليها ويعادون، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها. ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم، واحتقارهم وازدرائهم، وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده، وشفاء غيظهم منه، ثم يعالجونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك: أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك، وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين. ثم قرر دعوته أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم، الذي نواصيهم بيده: هو وليه ووكيله، القائم بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وآمن به، ولا يشمت به أعداءه، ولا يكون معهم عليه، فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه -في قوله وفعله- يمنع ذلك ويأباه. وتحت هذا الخطاب أن من صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه، وينزل به بأسه، فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى، ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام، ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم، وأنه يذهب بهم، ويستخلف قوما غيرهم، ولا يضره ذلك شيئا، وأنه القائم سبحانه على كل شيء حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء. فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم؟". والذي يظهر لي -والله أعلم- أن الله عز وجل جعل حال نبي الله هود على ما ذكر ليكون في شأنه تسلية لأهل الدعوة في كل زمان، وذلك أنك يمكن أن تخاطب كافراً بالحديث عن المعجزات المتواترة، أو إخبار النبي بالمغيبات، أو أحواله في كتب أهل الكتاب، أو ما شاء الله من دلائل النبوة. ولكن في خلافيات أهل الملة أو من ينتسبون للملة تكون براهينك وبيناتك من جنس ما أتى به نبي الله هود، خصوصاً مع فشو الباطل وانتشاره وكثرة أهله وتسلطهم.