كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حين تنتصر لأي مذهب في أي مسألة لا بد أن تكون عندك منظومة استدلالية واضحة حتى يدر

المصدر
حين تنتصر لأي مذهب في أي مسألة لا بد أن تكون عندك منظومة استدلالية واضحة حتى يدرك ما في قولك من قوة أو ضعف فمن المشاكل في الحوارات الموجودة اليوم أنك تجد الطرف المقابل هو نفسه لا يفهم دليله لهذا يذكر لك دليلاً حتى إذا ناقشته دافع عنه بدليل آخر مختلف عنه في الصياغة والمقدمات ولا تقاطع بينهما بل ربما تنناقض مقدماتهما خذ مثالاً كلام الدعاة إلى دولة عالمانية من الحقوقيين عندهم نمطان من الاستدلال كل نمط يختلف عن الآخر كلياً بل بعض مقدمات أحدهما تناقض الآخر النمط القيمي : حيث يزعمون أن الدولة العالمانية عادلة وأعدل من الدولة القائمة على عقيدة لذا هي ينبغي أن تحكم ، وهذا النمط مبني أصلاً على اعتبار الدين قيمة هامشية لذا التفريق بين الناس بناء عليها يعتبر ظلماً وهذا ما لا يسلمه أي متدين فإن الدين هو الأساس الذي سنحاسب عليه في الآخرة فلو كان التفريق على أساس الدين في الدنيا ظلماً فهو كذلك في الآخرة فليزمك الإلحاد ثم لن يكون هناك للعدل والظلم معنى داخل السياق الإلحادي لأن المساواة فكرة عقائدية محضة لا يوجد دليل مادي عليها ، ثم الدين أمر اختياري _ بخلاف لون البشرة مثلاً _ وأمر مؤثر في عموم حال المرء لأنه يجيب على أسئلته الوجودية فينبغي أن يكون مؤثراً على نظرته لكل شي إلا في أحوال يتناقض فيها والعالمانية ليست نمطاً محايداً بل هي مبنية على إبطال الرسالات والوحي أو هامشيته وعلى نمط مصلحي نفعي مبني على التجربة لا يعترف بالقيم الدينية على أنها أساس معتبر فطعنك على الدين بأنه لا يتسق مع القيم العالمانية تناقض سخيف لأن مجرد صحة الدين يقتضي بطلان العالمانية في أصلها وبالتالي كل ما أفرزته فخلاصة هذا النمط الاحتجاجي ( الشريعة الإسلامية باطلة لأنها تجعل الإسلام فوق كل شيء ) ( الدين باطل لأنه يعامل نفسه على أنه حق ) النمط الثاني هو النمط النفعي : وهو الاستدلال على بطلان الخلافة الإسلامية بأنها سقطت وعلى صحة العالمانيةة بأنها هي الحاضرة اليوم وهذا الاستدلال يتناقض في بعض معطياته مع النمط القيمي فإن القيمة تكتسب صحتها من نفسها سواء كان أهلها غالبين أو مغلوبين ، وأما هذا فاستدلال بالغلبة والحضور على صحة القيمة وبينهما تناقض وعليه ففي الدول العربية الدكتتاورية هي الأنفع لأنكم معاشر الحقوقيين غلبتم أمامها وجاءت انقلابات عسكرية على بعض الأنظمة المثالية في سياق الحقوق عندكم وبطشوا بأهلها بطشاً عظيماً ، بل والدول الغربية التي تريدون احتذاءها هي من أعانت على ذلك فإن أرجعتم هذه الغلبة على أنها جولة من جولات المعركة وأنها ناشئة عن غفلة أو سوء تدبير منكم ومكر شديد من أعدائكم ومع ذلك فمشروعكم أحسن وأصلح والأمر خطأ في التطبيق لا في أصل الفكرة فيقال : فقولوا هذا في الخلافة الإسلامية والتي أعظم أهدافها حفظ الدين فحتى مع ذهابها عيناً بقي هذا الأثر إلى اليوم بل الدولة الإسلامية استمرت مدة طويلة جداً لا نضمن استمرار أي نظام مما تدعونه لهذه المدة بل هي لما ذهبت حل محلها الاستعمار الظالم ، وكنتم تعيبون على الفتوحات الإسلامية ثم أنتم تستدلون على صحة العالمانية بالفتوحات العالمانية إن صح التعبير إذ أن انتشارها في العالم كان فرعاً عن القوة العسكرية ونهب الشعوب ولو نظرنا إلى العالم كوحدة واحدة لرأينا الظلم اليوم أعظم بكثير مما مضى خصوصاً فيما يسمى في دول العالم الثالث فالرق لا زال حاضراً في الهند والصين ( ولكن باسم العمالة في المصانع والمزارع ) وغيرها من الدول التي فيها مصانع الغربيين والمجاعات والفقر يملآن الدنيا ونجاح الدول التي أخذت بعقولكم ليس مبنياً على السياق القيمي بدليل تطبيق دول شرق أوروبا وعدد من الدول الإفريقية والآسيوية واللاتينية والكاريبية القيم نفسها ولم يحصلوا النتيجة المرجوة وعلى ذكر الصين هل ترون الصين ناجحة النظام وأخلاقية ؟وهي التي تفعل في الإيغور ما تفعل بناء على الاستدلال بسقوط الخلافة الإسلامية على بطلانها ينبغي الاستدلال ببقاء الصين وحكمها هذه المساحة الشاسعة وقوتها الإقتصادية على نجاحها ، ولكن بناء على المعيار القيمي هي دولة لا تستحق الاستمرار ولا شك أن الخلافة الإسلامية أفضل منها بكثير وهذا يبين لك وجهاً من التناقض بين الاستدلال بالمعيار القيمي والمعيار النفعي وتجد المرء منهم يهذي بهما معاً ولا يعي ما يخرج من رأسه فتنقض لها هذا فيدافع عنه بذاك وتنقض له ذاك فيدافع عنه بهذا في سياقات سوفسطائية مثيرة للغثيان