كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من لا يعاقب الشرَّ يأمر به...

المصدر
من لا يعاقب الشرَّ يأمر به... هذه الكلمة (من لا يعاقب الشر يأمر به) قرأتها في رسائل دافنشي الأدبية، وحين وقع نظري عليها تذكرت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان. فإن قلت: ما المناسبة؟ أقول لك: قد قال رب العالمين {ولكم في القصاص حياة} مفهوم هذا أن في ترك القصاص موتاً وتسهيلاً للقتل (من لا يعاقب الشر يأمر به)، وهؤلاء يحاربون عقوبة القصاص مطلقاً، هذا وهم يُبيحون الإجهاض. في الواقع الحياد الكاذب والرأفة بالمجرمين من أعظم صور دعم الباطل. فإنك تجد في التاريخ قولهم (الروم إن لم يُغزوا غزوا) أي إن لم تبادرهم بالغزو (جهاد الطلب) غزوك، وقد كان هذا فقد تسلطوا علينا بل وعلى أمم الأرض جمعاء، وارتكبوا من المجازر ما لم تعرف له البشرية نظيراً، في أفريقيا والأمريكتين وأستراليا وبلداننا، وتوَّجوا ذلك بتأييد الكيان الصهيوني. وهكذا عموم الباطل الذي تراه يتسلل، كالتصالح مع الشذوذ والإنسانوية والنسوية وغيرها، كل من ظن أنه في حلٍّ من محاربتها مع فشوها ووجود الدعم لها فذاك آمر بها. وكذلك البدع والضلالات في أبواب الاعتقاد والتي لها دعاة نشطون، كل من يدعو إلى تناسي الخلاف أو قفزه، فهو مروِّج للباطل على التحقيق، لأن أهل الباطل في الغالب لا يستمعون لدعواه ونراهم يروِّجونها بين أهل الحق الذين يتقاعس كثير منهم بسبب هذا التثبيط، فتكون النتيجة انتشار الباطل وقوة أهله حتى يصلوا إلى مرحلة اضطهاد أهل السنة، كما وقع في بلدان عدة. وكذلك كل عقوبة شرعية هي بمنزلة الدواء النافع للمرض العضال، وإن وجد الناس فيه مرارة، فإن عاقبتها عافية، وكما أن من يأمر بترك الدواء لمرارته فهو قاتل للمريض أو مؤذٍ له فكذلك من ينهى عن معاقبة الشر فهو آمر به. قال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» [7/385]: "وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون (يعني القدرية غير الغلاة) لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك؛ وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم. وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم لكن من كان داعية إليه لم يخرجوا له وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا وأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك. ومذهب مالك قريب من هذا ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة". فنصَّ على ابتداع من كان متأولاً وبدعته غير مكفِّرة وعنده محاسن من العلم والعبادة والرواية، وأنه في حال الدعوة يعاقَب ولا تكون منزلته في الدين كمثل غيره ممن سلمت عقيدته، فما بالك بمن هو شر من هذا؟ فإن قيل: ألسنا ندرأ الحدود بالشبهات وربما عفونا في القصاص؟ فيقال: درء الحدود بالشبهات فرع عن وجودها، والعبارة المشار إليها تنطبق على من يريد الإلغاء من الأساس، ودرء الحدود معناه أن الشر لم يظهر الظهور المستحق للعقوبة العليا، والحدود ليست العقوبة الوحيدة بل هناك النهي والهجر وغيرها. وكذلك الأمر في القصاص، العفو فرع عن وجوده وليس ملزماً لكل الناس.