قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة وهو يتكلم عن فضل العلم: "وكفى بهذا فضلًا وشرف
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة وهو يتكلم عن فضل العلم: "وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للعلم؛ فإنَّ نبيَّ الله وكليمَه سافر ورحل حتى لقي النَّصَب من سفره في تعلُّم ثلاث مسائل من رجلٍ عالم، ولمَّا سمعَ به لم يقرَّ له قرارٌ حتى لقيه وطلب منه متابعتَه وتعليمَه".
قصد ابن القيم قصة موسى والخضر، وهذا استدلال لطيف جدًّا، والواقع أن هذه القصة فوائدها لا تكاد تدخل في الحصر، وهنا سأتكلم عنها في سياق المشاريع الإصلاحية..
فإن موسى عليه الصلاة والسلام كان قائد أمة تحمل وحي الله عز وجل، ولهم أعداء، ويمرون بمحنٍ، فلا بد أن تكون الدروس التي تعلمها موسى من الخضر لها تعلُّق بهذا المعنى.
فأما قصة المساكين والسفينة فهي تعطي درسًا في زمن الاستضعاف، والإشكال الذي يقع فيه كثيرون في مثل هذه الأزمنة يتمثل بالاستسلام للقوة الباطلة القاهرة أو حتى إقناع النفس أنها قدَر حتمي أو أنها فاضلة.
ويقع آخرون في إشكال عدم تقدير حال الاستضعاف والسير في خطوات لا تكون إلا في زمن التمكين، وذلك يأتي من العجلة ومن تصور أن الخير لا بد أن يأتي دفعة واحدة.
والذي فعله الخضر يخالف المسلكين، فإنه ارتكب أدنى الضررين وفَعَل ما يدفع به بطش الملك، وهذا هو فقه المتاح، فحَفِظ (مال المساكين) الأكثر بإذهاب بعضه دون أن يعرِّضهم لبطش الملك.
وأما قصة الغلام فهي قصة تتعلق بحال التمكين، وهذا الحال من أهم آفاته الأمن من مكر الأعداء، وما استحال التمكين استضعافًا إلا بهذه الآفة، وفي القصة أن الخضر قتل الغلام، وظاهرُ الفعل فيه شدة على النفوس، واليوم أكثر ما يعيق هو عدم استخدام الشدة في موضعها رغبةً في استبقاء الناس، لا فرق بين من بان عناده ومن تأوَّل، ونفرة الناس من الحدود والعقوبات الشرعية ومن ملف الأسماء والأحكام مبني على هذا المعنى، مع أننا اليوم في عصر استضعاف، ولكن هذا المعنى قام في عصر التمكين، ولا زال المرض ساريًا في النفوس، والأعداء يسعون في استمراره، وفي قوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما} بيان أن كثيرًا مما نراه شدةً عاقبتُه أحسن العاقبة، وكما قال ابن تيمية: "والوسخ لا ينقلع إلا بشيء من التخشين ولكن ذلك يوجب من النعومة والنظاقة ما يحمد معه ذلك التخشين"، على أن هذه الأمور لا تكون جزافًا وبلا بينات وبالخضوع لنزغات الشياطين، وذلك ظاهر في قول موسى {أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا إمرًا} فهنا إشارة إلى الأصل الذي ينبغي أن يُتعامل به مع الناس حتى يَثبت خلاف ذلك بالبينات، فإذا ثبت لم يعد لمخاطبة الناس بالأصل الأول معنى.
وأما قصة الجدار ففيها موعظة لكثير من الدعاة وأصحاب المشاريع الإصلاحية، فإن فائدتها تكمن بأن الضرر الذي يقع عليك من بعض الناس لا يعني أن تحرم غيرهم من الفائدة، بل ربما تكون إفادتك للآخرين هو خير ما تجازيهم به، وبيان ذلك أن كثيرًا من الدعاة إذا لم يجدوا التكريم الذي كانوا يؤملونه أو أوذوا من قِبل بعض الناس تراهم يعتزلون ويغلقون بابهم حتى دون المقبلين ممن لا ذنب لهم بأذية أولئك لهم، وهذا فيه من حظ النفس ما فيه، ولو فتح بابه للمقبلين وعلَّمهم لكثر أهل الحق الحاملين للحجاج وعلَّموا غيرهم، وذلك أغيظ ما يكون لمن آذى، بل ربما يهديه الله على يد غيرك، فالخضر لم تمنعه أذية أهل القرية له ولموسى من أن يقيم جدارًا كان يريد أن يَنقضَّ، فرأى موسى ذلك إحسانًا لمن لا يستحق، والإحسان في واقعه كان لغلامين يتيمين لا ذنب لهما، وهذا الإحسان كان فيه تفويت المنفعة على أهل القرية البخلاء أن يصيبوا هذا المال استغلالًا لضعف الغلامين اليتيمين، وهكذا كثير من الجهود التي نستصغرها هي نفع لأناس لا ذنب لهم في أذية من آذانا، وهذا النفع قد يكون فيه من الخير الباطن العظيم لهؤلاء وتفويت المصالح على أهل الشر ما الله به عليم، فقط علينا ألا نيأس وأن نسعى في الخير قدر المستطاع.
وهناك دروس أخرى كثيرة مستفادة ولكن هذه الثلاثة أراها هامة وملحة في مثل هذا الزمان.