كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل اعتمد البخاري ومسلم رأي أبي معاوية الضرير؟

المصدر
هل اعتمد البخاري ومسلم رأي أبي معاوية الضرير؟ أرى أنه من الجيد أن يتم طرح بعض المسائل الشائكة بين الفينة والأخرى فإن ذلك يكسر الحاجز النفسي تجاهها، غير أنه ليس من الجيد أن يستروح المرء لكون العامة في غالبهم على قوله، فيكتب كتابة إنما تخاطب العامة لا يوجد فيها توثيق علمي أو محاولة للجمع بين الأقوال ولا التعامل مع اعتراضات المخالفين، هذا إن تمت قراءة هذه الاعتراضات أصالة. فالمرء الحريص على هداية الخلق لا يكتفي بتقرير الحق بل بدفع الشبهة أيضاً، وأن يستدل بما يصلح أن يكون دليلاً على أصول المخالف لا أن ينتفع بجهل العوام فيستدل عليهم بما لا يقوم في سوق العلم. والآن نشرع بالمقصود: عن أبي معاوية الضرير، قال: حب أبي حنيفة من السنة. هذا الأثر أورده الحافظ الذهبي في عدد من مصنفاته، وأورده بعض الناس مستدلاً به على فضل أبي حنيفة عند المتقدمين ونوه بأن أبا معاوية اعتمده البخاري ومسلم، غير أن صاحبنا أخفى ثلاث حقائق (أو خفيت عليه) الأولى: أن أبا معاوية الضرير محمد بن خازم مطعون في عقيدته، وليس معتمداً عند العلماء إلا في باب الرواية، أما آراءه في العقائد والشخصيات فلا يعتدون به. وقد رُمِي بالإرجاء وهي إحدى التهم التي رُمِي بها أبو حنيفة. و قال العجلى: كوفى ثقة. و كان يرى الإرجاء، و كان لين القول، يعنى فيه. وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات وربما دلس، و كان يرى الإرجاء فيقال: إن وكيعا لم يحضر جنازته لذلك. وقال أبو عبيد الآجرى، عن أبى داود: كان مرجئا. وقال فى موضع آخر: أبو معاوية رئيس المرجئة بالكوفة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، يدلس، وكان مرجئا. وقال النسائى: ثقة فى الأعمش. وقال أبو زرعة: كان يرى الإرجاء. قيل له: كان يدعو إليه؟ قال: نعم. فهذا الإنسان لا تقبل تزكيته لإنسان آخر رمي بالإرجاء. وقد قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (7/507): "وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة كانوا يجعلون قول اللسان واعتقاد القلب من الإيمان؛ وهو قول أبي محمد بن كلاب وأمثاله لم يختلف قولهم في ذلك ولا نقل عنهم أنهم قالوا الإيمان مجرد تصديق القلب". فهنا ابن تيمية ينص على أن مذهب أبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان في الإيمان أنه قول واعتقاد فحسب، وهذا هو الإرجاء. فما موقف الشيخ من حماد ومن تبعه؟ يجيبنا ابن تيمية نفسه بقوله كما في مجموع الفتاوى (10/748): "بخلاف المرجئة من الفقهاء الذين يقولون: هو تصديق القلب واللسان؛ فإن هؤلاء لم يكفرهم أحد من الأئمة وإنما بدعوهم". قال ابن عبد البر في الانتقاء (1/149): "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيرا من أخبار الآحاد العدول لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعني القرآن فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذا وكان مع ذلك أيضا يقول الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيمانا وكل من قال من أهل السنة الإيمان قول وعمل ينكرون قوله ويبدعونه بذلك". والتبديع طعن، وأكثر الحنفية على هذا الإرجاء، ومنهم من زاد إرجاء الماتردية، حتى أن الرجل الحنفي إذا لم يكن مرجئاً فإنه يتم التنبيه على ذلك في ترجمته. قال السهمي في تاريخ جرجان في ترجمة أبي جعفر أحمد بن عمران: "من أصحاب الرأي، وكان مذهبه مذهب أهل السنة." ذكره الحافظ أبو سعد الإدريسي، في "تاريخ إستراباذ"، وقال: كان ثقة في الحديث، من أصحاب الرأي، شديد المذهب كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص". وليس انتشار الإرجاء في الأمة مما يستروح له الناصح، والعجيب من حديثهم عن انتشار الروح الإرجائية في الأمة وأثرها في تخلف الأمة، ثم يذبون عمن نشر الإرجاء في الأمة! والأئمة قد يروون عن المنحرفين عقدياً لكونهم ثقات في الحديث، كما روى البخاري عن عبيد الله بن موسى المتشيع وغيره، ولكن لا يعتمدهم عقيدة. الثانية: أن هذا الخبر لا إسناد له أو لا يصح أصالة عن أبي معاوية، وإذا كنا سنعتمد ما يذكره الذهبي الذي عاش بين القرن السابع والثامن الهجري بدون إسناد عن أناس عاشوا في القرون الأولى فمن باب أولى أن نقبل ما يذكره عبد الله بن أحمد في السنة والبخاري في الضعفاء والعقيلي وابن عدي وابن حبان والخطيب البغدادي، وكلهم ذكروا بأسانيدهم أخباراً شديدة في ذم أبي حنيفة وأسانيدها قوية. فالمنصف إذا تشدد في أسانيد الذم فعليه أن يتشدد بنفس المقدار في أسانيد المدح. وقد اعترف شيخ الإسلام ابن تيمية بوجود ذم في الكتب المتقدمة ووصفه بأنه (طافحة به الكتب) وأنه قول أكثر أهل الحديث. =