خطاب وعظي خير من أصولي أعرج
خطاب وعظي خير من أصولي أعرج
مسألة تارك الصلاة مسألة كثر فيها الكلام في هذا الزمان وصنفت فيها المصنفات وحسمها بكلام قليل ليس سهلاً أبداً
ومن احترام المرء لمن يقرأ له أن يوفي المقام حقه من الكلام والإيضاح مع التنبيه على أن المسألة تحتاج مزيد بسط إن كان الأمر كذلك
ودائماً أقول الجو العام اليوم ليس صحياً نهائياً لبحث مسائل الأسماء والأحكام
لأن هناك انحيازاً تأكيدياً ضد أحكام التكفير والتبديع ولو كان ذلك بحق
غير أنني سأخاطر ( وما أكثر ما أفعل ذلك ) وأتكلم في هذا الأمر لا على جهة تحرير المسألة بالكلية فإن ذلك يطول
ولكن في مناقش استدلال لبعضهم في مناقشة بعض أدلة مكفري تارك الصلاة
حيث أرسل لي بعض الأخوة كلاماً لبعض الباحثين يورد على استدلال المكفرين بأثر عبد الله بن شقيق : [ كانوا لا يرون شيئاً تركه كفراً إلا الصلاة ]
أن ابن رجب ذكر عن عمر أنه يكفر تارك الحج
وبالتالي استقراء عبد الله بن شقيق ناقص ! فلا يفيد سوى أن جماعة من الصحابة كفروا تارك الصلاة وليس ذلك إجماعاً منهم
وقد تعجبت من هذا الإيراد إذ أنه ضعيف أصولياً جدأ لو تأمل هذا الكاتب وذلك من عدة
أولها : أن الجمع أولى من افتراض التعارض فيكون أثر عبد الله بن شقيق معناه ما كان أصحاب محمد يتفقون عل تكفير أحد إلا ترك الصلاة
فالأثر يقرأ بالمحذوف المقدر هكذا ( لم يكونوا يرون شيئاً تركه كفراً إلا الصلاة ( وما سواه لا يكفرون )
أو لم يكونوا يرون شيئاً تركه كفراً إلا الصلاة متفقين وما سواه ربما اختلفوا ومعلوم أن الجمع مقدم على افتراض التعارض
ثانيها : أن أثر عمر المشار إليه هل صح بشكل قطعي وإن صح هل اتفق الناس على فهمه بمثل ما فهمه ابن رجب رحمه الله
أما النقطة الأولى : فالأثر له لفظان مشهوران وفِي كل منهما علة وقد يحتمل في الموقوف غير أننا هنا في سياق تعارض على توهم المعترض فتضيق دائرة الاحتمال
فأول اللفظين ما روى عبد الله بن نعيم ، أن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري ، أخبره ، أن عمر بن الخطاب ، قال :
[ ليمت يهوديا أو نصرانيا - ثلاث مرات - ، رجل مات ولم يحج ، وجد لذلك سعة ، وخليت سبيله ]
وَعبد الله هذا شبه مجهول وقد توبع عند الخلال في السنة غير أن الضحاك رواه عن أبيه عن عمر وأبوه مجهول وهناك رواية في الحلية من رواية قبيصة عن سفيان بطريقه إلى عبد الرحمن بن غنم ومعلوم ما قيل في رواية قبيصة عن سفيان غير أن الدارقطني علق رواية عاضدة
وأما اللفظ الثاني وهو أقوى اللفظين وهو ما رواه أحمد، وسعيد عن هشيم، ثنا منصور عن الحسن، قال:
قال عمر بن الخطاب: [ لقد هممت أن أبعث رجلا إلى هذه الأمصار فينظروا كل رجل ذا جدة لم يحج فيضربوا عليهم الجزية؛ ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين ]
ومعلوم أن الحسن لم يسمع عمر وقد وهم من صحح هذا السند فالحسن ماحدث عن بدري قط سماعا
وأما الفهم فيلاحظ أن أثر الحسن لا يتكلم عن ردة فقوله (فيضربوا عليهم الجزية ). لا يوحي بالكلام عن المرتدين فالمرتد لا تضرب عليه جزية أبدا
فإما أن يكون الكلام على التغليظ ولا يراد ظاهره
وإما أن يكون مختصا بقوم معينين وهذا ما مال إليه شيخ الإسلام في شرح العمدة حيث قال : وإنما عزم على ذلك - وإن كان تارك الحج إذا كان مسلما لا يضرب عليه الجزية -؛ لأنه كان في أول الإسلام الغالب على أهل الأمصار الكفر إلا من أسلم
فمن لم يحج أبقاه على الكفر الأصلي، فضرب عليه الجزية. ولولا أن وجوبه على الفور لم يجعل تركه شعارا للكفر.
وقد روي عن الحسن بن محمد قال: (أبصر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قوما بعرفه من أهل البحرين عليهم القمص والعمائم، فأمر أن تعاد عليهم الجزية). رواه سعيد.
فالخلاصة أن الخبر خاص بكفار أصليين تردد في شأن دخولهم في الملة فيخرج من ذلك المسلم المستيقن إسلامه بولادة على الإسلام أو شهادة أو هجرة هذا إن صح
وهذا الفهم يبطل معارضة أثر عبد الله بن شقيق
النقطة الثالثة : أن أثر عمر المشار إليه لا يزيد أثر عبد الله بن شقيق إلا قوة فإنه إن تم تكفير تارك الحج فمن باب أولى تكفير تارك الصلاة
وأثر عبد الله بن شقيق فيه قضيتان الأولى إثبات والثانية نفي
والقضايا الثبوتية أقوى من القضايا المنفية لذا الاستدراك على المنفي لا يقتضي الاستدراك على المثبت لذا يقال المثبت مقدم على النافي
فالقضية المثبتة دعوى أن الصحابة يكفرون تارك الصلاة
والطريق إلى العلم بهذه القضية لا يكون إلا بسماع شيء مثبت لا مجرد الاستنباط من السكوت
والقضية الثانية المنفية أن الصحابة لم يكونوا يكفرون غير تارك الصلاة وهذه قضية يمكن استنباطها من مجرد سكوتهم أو نصوصهم في ذلك
فإذا فهم هذا علم أن القضيتين بينهما انفصال فإذا استدركنا على المنفية بثبوت تكفير في غير ترك الصلاة لم يخدش ذلك أدنى الخدش في القضية المثبتة لانها ثبتت بشكل أقوى
إلا أن تجد نصا في عدم التكفير بترك الصلاة فهنا تقوم المعارضة الحقيقية
=
وخذ مثالا قوله تعالى ( قل لا أَجِد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير )
هنا توجد قضايا ثبوتية تم التنصيص عليها كما نصص على الصلاة في أثر عبد الله بن شقيق فالدلالة عليها أقوى الدلالة
القضية الثانية هي نفي التحريم عما سوى ذلك كما ورد في أثر ابن شقيق نفي التكفير عما سوى ترك الصلاة
فإذا جاء في السنة تحريم الحمر الأهلية فإن ذلك يخصص القضية المنفية ولا يدخل على القضية المثبتة بحال
ولهذا قلت أن هذا الاستدراك ضعيف أصوليا جدا
وأما الاستدلال بتغسيل تاركي الصلاة والصلاة عليهم
فإن غايته إثبات أنه لم يزل يوجد في الأعصار المتأخرة التي ظهر فيها ترك الصلاة جليا من لا يكفر تارك الصلاة ويصلي عليه
وليس هذا محل نزاع أصلا وإنما النزاع في وجود إجماع المتقدمين على التكفير
ولَم يكن آنذاك يوجد من يترك الصلاة وإنما يستقيم هذا الاستدلال إن جاء الفقهاء الذين يكفرون أنفسهم وصلوا على تاركي الصلاة
ودون إثبات ذلك خرط القتاد فالأمر فرض كفائي في حق المتفق على إسلامه ولا يمكن الاثبات أو النفي هنا
والا لم يزل الفقهاء ينصون في كتبهم على المنع من الصلاة على الجهمية أو غلاة الإمامية أو القرامطة
والدهماء في الغالب يصلون عليهم !
وهنا تنبيه : في المجموع للنووي : عن عبد الله بن شقيق التابعي المجمع على جلالته وتوثيقه قال
(كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون بيع المصاحف)
قال البيهقي وهذه الكراهة على وجه التنزيه تعظيما للمصحف عن أن يبتذل بالبيع أو يجعل متجرا.
( لاحظ تعاملهم مع ما ينقل عبد الله بن شقيق )
وأثر عمر ( لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ) هو أقوى في الدلالة على تأييد أثر عبد الله بن شقيق من أثر الحج في معارضته
مع كونه أقوى سندا
قال ابن تيمية في شرح العمدة : ومن قال من أصحابنا لا يحكم بكفره إلا بعد الدعاء( يعني استتابة الإمام له ).
والامتناع فينبغي أن يحمل قوله على الكفر الظاهر فأما كفر المنافقين فلا يشترط له ذلك
فإن أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط.
وأخيرا أقول : هذه المسائل يطول فيها الجدل ولكن المهم ألا يكون كل هم الباحث نتيجة وضعها مسبقا في سياقات عاطفية
وحقيقة الكثير من الوعاظ ممن كان لا يعجبنا طرحهم لسبب أو لآخر كانوا أعظم بركة ممن يدبج الأبحاث الضعيفة في هذه السياقات دون أن يقرنها بأي تخويف أو تعظيم لأمر ترك الصلاة
لهذا عنونت بقولي ( خطاب وعظي خير من أصولي أعرج )
واليوم كثير من الناس عندهم استهانة بهذه الأمور العظيمة مثل الصلاة والصيام مقارنة بما يجر نفعا ماديا حاضرا أو المعاملة الحسنة بين الناس
فحق الله هين جدا في نفوسهم مقارنة بحقوقهم لذا يثقل مثل هذا البحث جدا على نفوس كثيرين
ومعالجة هذا البلاء أولى من مجرد الأبحاث الضعيفة المتعجلة
وَيَا ليت شعري إن خرجنا من هذه ما الذي يخرجنا من سب الله أو سب الدين وبلايا أخر والله المستعان
فلله أيام الخطاب الوعظي على عرجه....
قال التابعي #مجاهد :
يأتي على الناس زمان يكون أمثل الناس : التاجر النحرير الذي يجمع كل السلع !
[ غريب الحديث للحافظ الحربي 2 / 443 ]
يعني ينظرون للدنيا ولا ينظرون للآخرة ....
أقول : أشبه الأزمنة بهذا الكلام زماننا حيث صار التسلط لأصحاب رؤوس المال وتجد المرء من كبارهم لا يقنع بسلعة أو تجارة واحدة حتى يجمع أكبر قدر ممكن من السلع أو وكالاتها
وهؤلاء بأموالهم صار لهم تأثير كبير في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي