كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

موعظة الملوك من كلام ملك الملوك...

المصدر
موعظة الملوك من كلام ملك الملوك... ينشغل الناس بأحوال الملوك إن مات منهم أحد، أو تم تنصيبه، أو تجددت ذكرى اعتلائه للعرش، أو اعتلاء جده الذي بدأ به حكم سلالته، وهذا أمر وإن كان الملوك يحملون الناس عليهم إلا أن كثيراً منهم لا يجد غضاضة في ذلك لما في نفسه من تعظيمهم. ولما كنت أتفكر في هذا الأمر شاء الله أن أقرأ سورة البروج، والتي فيها الكلام عن ملك ظالم أحرق أهل الإيمان، وإذا بها موعظة عجيبة. فكل ما يعظمه الناس في الملوك تم تصغيره في هذه الآيات عن طريق التذكير بصفات ملك الملوك: قال تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9)} الملوك تعظم لعزتها، بمعنى صعوبة النيل منها، ولهذا كلما طال أمد الملك كان ذلك أعظم في نفوس الناس، وملك الملوك سبحانه له العزة المطلقة فهو (العزيز) سبحانه لا ينال جنابه وملكه دائم، بخلاف ملوك الدنيا الذين يعتريهم العزل والهزيمة، وإن لم يكن فالموت الذي لا مفر منه. والملوك تكثر رعيتها من مدحها خوفاً من بطشهم ورغبة بما عند أيديهم، وربما مدحوهم بالكذب، غير أن ملك الملوك سبحانه لا يحمد إلا بحق، وبحمده ينال أعظم الثواب ويتقى أعظم العقاب. ثم إن الملوك عيب ملك الواحد منهم أنه محدود بأرض، وكلما اتسعت الرقعة كلما كان ملكه أعظم، وأما ملك الملوك فله ملك السماوات والأرض فكل الخلق تحت ملكه سبحانه. والملوك تعيّن العيون والشرط ليكشفوا عن أمر ممالكهم، فيغيروا ما لا يعجبهم ويقروا ما يعجبهم، ومع ذلك لا بد من عجز ونقص بأن يخفى عليهم شيء، وأما ملك الملوك فعلى كل شيء شهيد، لهذا سيحاسب عباده يوم القيامة على كل شيء. وقال تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} والملوك تحفظ رعيتها وتعاقب الخارج عن أمرها، غير أنه لا بد أن يلحق بعض الرعية ضرر لا يستطيعون دفعه، ولا بد أن يفلت من عقابهم من يفلت. وأما رب العالمين فكل ضرر على أهل الإيمان فإنهم مثابون عليه، وأما أهل الكفر به فلا يفلتون ولهم أشد العذاب. والملوك عندها ذنوب لا تغتفر البتة وإن جئته تائباً معترفاً، وأما ملك الملوك فيغفر الذنوب جميعاً بشرط التوبة قبل الغرغرة، وتأمل قوله {ثم لم يتوبوا}. وقال تعالى: {إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14)} والملوك ربما عاقبت العقوبة فلا تشفي عقوبتهم، وأما ملك الملوك فبطشه شديد، بيده الإحياء والإماتة، الإبداء والإعادة، فلا تكون عقوبته إلا شافية، فلو قتل الرجل في الدنيا ألف شخص فإن الملوك لا يمكنهم إلا أن يقتلوه مرة واحدة، وأما ملك الملوك فيقتله مرة بعد مرة حتى يكمل الألف لأنه يبدئ ويعيد سبحانه. والملوك تحمد بتوددها لرعيتها على ما في أيديهم من القدرة، وملك الملوك على غناه وقدرته سبحانه يعرض عليهم المغفرة وإن عظمت سيئاتهم لأنه سبحانه الودود. هذا على علوه واستغنائه عنهم، إذ هو {ذو العرش المجيد} ولا ينقص من ملكه الثواب ولا يزيده العقاب ولا العكس، لذا هو الفعال لما يريد سبحانه وتعالى. ثم في بقية الآيات ذكر ملوكا غفلوا عن هذه المعاني فجعلهم الله عبرة.