كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل منكر العلو ملحق بالسوفسطائية؟

المصدر
هل منكر العلو ملحق بالسوفسطائية؟ مما اشتهر في كتب الأصول والنظر أن السوفسطائي لا يجادل لأنه ينكر الضروريات ويحاول دفعها بأمور نظرية. ومن الأمور العجيبة في كلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله أنهما كانا يشيران لهذا المعنى في منكر العلو. قال ابن القيم في «الصواعق المرسلة» [2/678]: "فإن قلت الفرق بيننا وبينهم أن آيات الصفات وأخبارها قد عارضتها قواطع عقلية تنفيها بخلاف نصوص المعاد قيل أما أهل القرآن والسنة فيجيبونك بأن تلك المعارضات هذيانات لا حقيقة لها وشبهات خيالية: {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور 39] وأما أشباهك من الفلاسفة فيقولون ونصوص المعاد قد عارضها قواطع عقلية تنفيها فإن قلت بل هذه شبهات باطلة ومقدمات كاذبة قيل صدقت والشبهات التي تعارض نصوص الصفات أبطل والمقدمات التي تخالفها أكذب بكثير فإن الشبهات العقلية المعارضة لنصوص الأنبياء ليس لها حد تقف عليه بل قد عارض أرباب المعقول الفاسد جميع ما جاءوا به من أوله إلى آخره بعقولهم ومعارضة المشركين لما دعت إليه الرسل من التوحيد بشبهاتهم من جنس معارضة الدهرية لما أخبروا به من المعاد". هنا يقرر ابن القيم أن نفاة الصفات أضعف شبهة ممن نفوا معاد الأجسام (وهؤلاء كفار بلا نزاع)، وأن الصنف الأخير ادعوا معارضة المعقول للنصوص، فكفروا بظاهره ثم زعموا أن الأنبياء كلموا الناس بخلاف الواقع لأن عقولهم لا تقبل. وقال ابن القيم في الصواعق [3/919]: "قالوا بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا فنصوص المعاد أولى قال فإن قلتم نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها من العقل قلنا ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها ثم ذكر العقليات المعارضة للمعاد بما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات من جنسها أو أضعف منها". وهذا الذي قاله هنا ينطبق على نصوص العلو، فهي أكثر من ألف دليل كما نص عليه النونية. وقال أيضاً في الصواعق [3/856]: "الوجه الثاني والثلاثون: إن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد الأبدان التي يسميها أصحابها حججا عقلية هي كلها معارضة للنقل وهي أقوى من الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل أو من جنسها أو قريبة منها كما قيل: دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها فقد أورد على القدح في النبوات ثمانون شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية وأورد على إثبات الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة كلها عقلية وأورد على المعاد نحو ذلك والله يعلم أن هذه الشبه من شبه جنس نفاة الصفات وعلو الله على خلقه وتكلمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة لكن نفقت هذه الشبهة بجاه نسبة أربابها إلى الرسول والإسلام". فهنا ابن القيم ينص على أن شبهات منكري الصفات أضعف من شبهات منكري النبوات، وذكر صفة العلو، وهذا من عجائب الأمور، غير أن نظره هذا يقتضي تضييق العذر على نفاة الصفات. وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» [4/192]: "وقال: ما الذي حرم علي التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وقالوا: كيف نحن نعاقب على تأويلنا وتؤجرون أنتم على تأويلكم؟ ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟". وما الذي جعل تأويل منكري الصفات عذراً وتأويل منكري المعاد ليس عذراً؟! وقال ابن تيمية في «التسعينية» [3/954] :"فالعلم بعلو الله على عرشه ونحو ذلك، يعلم بضرورية عقلية وأدلة عقلية يقينية لا يعلم بمثلها معاد الأبدان، فالعلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على ما نفيتموه [يعني الأشعرية] من علو الله على خلقه، ومباينته لهم ونحو ذلك أكمل وأقوى من العلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على كثير مما خالفكم فيه المعتزلة بل والفلاسفة". وقال في «مجموع الفتاوى» [5/292]: "وأما الجواب الثاني التفصيلي: فهو بيان فساد حجج النفاة على إمكان ما ادعوه. قالت المثبتة: ما ذكرتموه من الحجج على إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه حجج سوفسطائي". وما قاله هنا هو خلاصة قصة (حيرني الهمداني)، إذ نهاية ما عندهم حجج نظرية تخالف فطرة وضرورات يجدها المرء في نفسه، والحجج النظرية مبنية على الضرورات فكيف تعارضها وتقدَّم عليها؟