من الملاحظ أن كثيرا من طلبة العلم فضلا عن غيرهم لا يترك الأمر إلا اذا كان فيه دل
من الملاحظ أن كثيرا من طلبة العلم فضلا عن غيرهم لا يترك الأمر إلا اذا كان فيه دليل تحريم واضح قطعي أو ظني أغلبي
ومساحة المشتبهات التي تترك لداعي الورع عنده شبه معدومة
وأعني بالمشتبهات ما أشير إليه في الحديث ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )
فما يضرك لو تركت الأمر اذا علمت فيه خلافا قويا حتى تمحض البحث فيه ، وما يضرك أيضا إن تركت الاستعجال في الفتوى ؟
ثم إن بعض المشتبهات اذا أفتيت بها عاميا في مجتمع ينتشر فيه محرم من جنس هذه الشبهة فإنك لن تلبث إلا وتراه قد وقع في الحرام الصريح في كثير من الأحيان
وذلك أن النفوس ميالة لمحاكاة الأغلبية ودعوة الأغلبية له بأفعالهم وربما أقوالهم يدافعها المرء بكلفة فإنك إن أضعفت مدافعته بتقريبه منهم خطوة ففي فترة هذا العزم يقترب خطوات من نفسه ما أذنت له بها
وأيضا لن يجد منكرا منهم بل ربما سيجد داعيا ان وجد في نفسه ضعفا
وفِي هذا المعنى الخبر المروي في النهي عن بيع السلاح في زمن الفتنة ، نهي عن البيع بالكلية مع أنك قد تعرف من هذا الانسان أنه لا يريد المشاركة ولكن في زمن الفتنة وانتشار الحرب والقتال يكون إنكار ذلك بين الناس أقل فيجتمع قلة الإنكار مع فشو الأمر فمع أقرب داعٍ نفسي تجده انخرط في ذلك الفتنة
ونظير ذلك تحريم النبيذ الذي يسكر كثيره وإن لم يسكر قليله فذلك يتأكد في المجتمعات التي يفشو فيها الخمور الصريحة التي يسكر قليلها وكثيرها وذلك لأنه اذا سكر ولو دون قصد فلن يجد كبير منكر بل ربما دعاه الناس إلى السكر صراحة
ومن المشتبهات ما يشابه في الصورة الخارجية المنكر الصريح لهذا ورد في الحديث ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) قال ( وعرضه ) لأنه قد يراه شخص فيظن به الفسق
وقد يقع من بعض أهل التدين ممن تعودوا على رياضة النفوس ومخالفة العامة الدخول في بعض المشتبهات دون الولوغ في الحرام من جنس ذلك المشتبه وان فشا ذلك المشتبه في المجتمع كما وقع ذلك من بعض المنتسبين للعلم في الزمن القديم من شرب النبيذ الذي يسكر كثيره دون قليله فكانوا على ورع وتدين ولا يشربون إلا القدر الذي لا يسكر ، ولكن هذا في العامة شبه معدوم لضعف العزم فيهم وعدم تعودهم على رياضة النفس ومخالفة الهوى واستهوانهم للأمور بمجرد فشوها بين الناس وإن كانت عظيمة
والفتوى لها سياسة لا بد أن يراعى فيها هذه المعاني ومن لم يفهم هذا فليترك الأمر لأهله
واعلم رحمك الله أن أول حصن اخترقه أعداء الدين حصن اتقاء الشبهات وسد الذرائع وبعده صار كل شيء ضعيفا
وأعلم أن هذا الكلام ثقيل على النفوس ولكن لا تظنن أن جنة عرضها كعرض السماوات والأرض تنال بالهيّن.