كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فكرة التلازم بين نظام العقوبات الغربي وتحقيق التقدم والرفاه..

المصدر
فكرة التلازم بين نظام العقوبات الغربي وتحقيق التقدم والرفاه.. المتأمل في النقاشات بين المسلمين والعالمانيين يجد الكلام عن موضوع العقوبات مثل (قطع يد السارق) و (الرجم) و (قتل المرتد) يشغل حيزاً كبيراً جداً من الجدل بين الطرفين، حتى أن الكلام في هذا الأمر هو أضعاف أضعاف الكلام عن المنظومة الاقتصادية أو العسكرية، وكذلك أدعياء التجديد من الإسلاميين تجدهم يجتهدون في الحديث عن هذه المواضيع موافقين لبعض الرؤى العالمانية. علماً أنك لو تأملت جيداً في (الاعتراض على حد الردة) ستجده منطلقاً من قيمة (مناهضة التمييز الديني)، يعني أن المعترض أصالة يرفض أي تمييز بين أفراد الدولة على أساس ديني، ولهذا هو يعترض على أحكام أهل الذمة أيضاً، فمن العبث أن تقنعه بأن هناك دولة (إسلامية) ستقوم على أساس التساوي بين أفرادها عقدياً، فالمنظومة التشريعية تكون مبنية على الأساس الذي بنيت عليه الدولة والأهداف المتعلقة بذلك، فالدولة الإسلامية قائمة على إعزاز الدين ونشره فكيف تحاكمها على أسس دولة عالمانية محايدة لها أهداف من نوع آخر؟! هذا الأمر لو فُهم لارتحنا من كثير من الجدل وتكلف الاستدلال. غير أن الحديث هنا عن الفكرة التي جعلتنا نكثر الجدل في هذا الموضوع، وهو افتراض التلازم بين منظومة العقوبات الغربية وتحقيق أهداف الدولة العالمانية المتوسطة من رخاء ورغد في العيش وتقدم اقتصادي. والواقع أن منظومة العقوبات الغربية (التي تجرم الإعدام) ولا يوجد فيها جلد ولا رجم تشغل حيزاً كبيراً في أذهان أهل هذا الزمان، إذ ينظر كثيرون إليها على أنها الخير المحض الذي يجلب غيره من باب التوفيق الإلهي! بمعنى أنك لو طبقتها ستكون خيراً يستحق كل خير وتوفق له! وإن لم يكن هناك مناسبة واضحة بين الأمرين. فنحن نرى على سبيل المثال الصين التي لا تلتزم بهذا النهج، ويمكن أن نعتبرها دولة ظالمة، ومع ذلك تحقق تفوقاً اقتصادياً عظيماً. وكذلك روسيا والتي أقامت حرباً يراها أصحاب هذا الطرح ظالمة من كل وجه. بل الولايات المتحدة الأمريكية رأس الحربة، خاضت حروباً ظالمة في فيتنام وأفغانستان والعراق، ووقع في هذه الحروب من الدمار ما لا يساوي شيئاً عنده رجم ألف زان وقطع يد ألف سارق. بل هذه دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) قامت ولا زالت تقوم على ممارسات غير أخلاقية، وهي محل ثناء ودعم من عموم الدول الغربية. بل واقعاً عامة الأنظمة المستبدة تحظى بشبه رضا دولي ناشيء عن (ترضيات مجزية). وحتى كثير من الأنظمة العربية التي يحمد العالمانيون مقاومتهم للإسلاميين أو للتطرف ممارساتهم لا تتسق مع السياق الغربي في العقوبات خصوصاً مع المعارضة، فيتحدث متحدثهم عن ضرورة وجود نصوص متواترة للحدود، وكأنه وجد قمع المعارضين وتعذيبهم في نصوص القرآن! هذا إن لم ننظر في تحقيق هذه العقوبات لمقاصدها، واختلاف منظومة المقاصد بين الشريعة والدولة العالمانية الحديثة بصورتها الرأسمالية فالأخيرة لا تعتد بأمر حفظ الأعراض والأنساب، بل ربما ترى التمسك ببعض صور حفظ الأعراض والأنساب باباً للتراجع الاقتصادي، بينما في الإسلام العرض مقدم على المال. قد يكون صادماً لكثيرين أن تكون الكثير من النخب الثقافية في بلداننا غارقة في السطحية، ومع سخريتهم من الحديث عن القشور، تراهم يهملون قضايا كبرى ليتحدثوا بقضايا فرعية لم يحققوا أصولها البتة، غير أن وجود قوة إعلامية ودعم وغطرسة غربية تقفز على المقدمات جعلت لمثل هذه الأفكار دوراً في صناعة القرار وليس كذلك فحسب بل توجيه النقاش الثقافي، وتجد من يماريهم أو يداريهم ثم هو يتفيقه على التراث.