=
=
أقول : وسواء كان يتعمد الكذب كما قال ثعلب أو يذكر كذب غيره كثيراً ( مع أن هذا لا يحتمل ) الرجل لم يكن يضبط فإنه يذكر المقالة في كتاب ينسبها لرجل ويذكرها في آخر ينسبها لآخر
وخذ مثالاً فتجده يقول في البيان والتبيين : وسئل شريك عن أبي حنيفة فقال: اعلم الناس بما لا يكون، وأجهل الناس بما يكون. ونسب المقالة نفسها لحفص بن غياث في كتاب الحيوان
وتجده ينفرد بالقصة أو الموعظة والتي لو كانت صحيحة ما تركها الناس له يرويها هو وحده حتى وإن كان إسنادها لا يصح خذ مثالاً :
قوله في البيان والتبيين : وكان الحسن يقول: «ما أعجب قوما يروون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلى في نعليه فلما انفتل من الصلاة علم أنه قد كان وطىء على كذا وكذا، وأشباها لهذا الحديث، ثم لا ترى أحدا منهم يصلي منتعلا
وقوله في كتاب الحيوان : وقال الحسن: والله يا ابن آدم، ما توبقك إلا خطاياك! قد أريد بك النجاة فأبيت إلا أن توقع نفسك» !.
وشهد الحسن بعض الأمراء، وقد تعدّى إقامة الحدّ، وزاد في عدد الضرب، فكلمه في ذلك، فلما رآه لا يقبل النصح قال: أما إنك لا تضرب إلا نفسك، فإن شئت فقلّل، وإن شئت فكثّر.
فهاتان الكلمتان عن الحسن على نفاستهما يتعطش لهما كل فقيه وواعظ وقد اعتنى علماء الإسلام في كل مصر بجمع كلام الحسن وروايته بالإسناد ولا تجد هاتين الكلمتين إلا في كتب الجاحظ ! فلو انفرد بهما حافظ من أعيان الحفاظ الذين أنفقوا أعمارهم في السفر والرحلة وجمع الفقه والمواعظ لاستغرب ذلك وقد يحتمل وإنما ينفرد بهما ماجن مثل الجاحظ هذا لا يكون إلا عن اختلاق
ومن مشاهير مفاريد الجاحظ قصة شاة الأعمش حيث قال : ان الأعمش سيّء الخلق غلقا، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما يحبّ طيّه عنهم، وتكرار ما يحدّثهم به، ويتعنّتونه، فيحلف لا يحدّثهم الشهر والأكثر والأقلّ، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلّعت الأخبار إلى الخروج منه، فيقبل على شاة) كانت له فيحدّثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب الحديث يقول: «ليت أنّى كنت شاة الأعمش»
وقد ذكر هو في رسالته في فصل ما بين العداوة والحسد أنه يتعمد الكذب ونسبة تآليفه إلى غيره ليسلم من طعن الحساد زعم فقال : وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدمني عصره مثل ابن المقفع والخليل، وسلْم صاحب بيت الحكمة، ويحيى بن خالد، والعتّابيّ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلِّفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيِّرونه إماماً يقتدون به
هذه ما وجدتها إلا في كتبه وإن من المحزن أَن تجد كثيرا من طلبة العلم ينفرون من الكتب المسندة بحجة أَن ليس كل ما فيها صحيح ويتركون ما فيها من درر ثم نجد ما ينفرد به هذا الرجل يفشو في الناس وعوداً على موضوع ابن الزبير
قال ابن عبد البر في الاستيعاب : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما زال الزبير يعد منا- أهل البيت- حتى نشأ عبد الله.
وهذا الخبر لا وجود له إلا في كتاب ابن عبد البر وبدون إسناد وفي ابن عبد البر تشيع ليس بالغالي مع تعظيمه للصحابة بالجملة وقطعه الكلام بالتفضيل ولكنه لهذا الداعي روى أموراً انتقده أهل العلم على إيرادها
قال ابن الصلاح في مقدمته : وأكثرها فوائد كتاب " الاستيعاب " لابن عبد البر، لولا ما شانه به من إيراده كثيرا مما شجر بين الصحابة، وحكاياته عن الأخباريين لا المحدثين، وغالب على الأخباريين الإكثار والتخليط فيما يروونه.
وقال ابن تيمية في منهاج السنة :" وتشيع أمثاله من أهل العلم بالحديث كالنسائي، وابن عبد البر، وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما ، بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على عثمان، أو يحصل منه كلام، أو إعراض عن ذكر محاسن من قائله، ونحو ذلك ; لأن علماء الحديث قد عصمهم، وقيدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفض ممن له نوع اشتغال بالحديث كابن عقدة، وأمثاله فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات"
فاعجب من اعتماد الشيعة على هذه الروايات المهلهلة مع طعنهم بالمتواترات في فضل الصحابة.