كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال البزار في مسنده 7513- حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر ا

المصدر
قال البزار في مسنده 7513- حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر البجلي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة. وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد. أقول : قد كثر كلام الناس في زماننا هذا حول هذا الحديث تصحيحاً وتضعيفاً وتخريج البزار له في مسنده المعلل يوحي بترجيح علة وقد رواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي من كلام الحسن البصري وذلك أشبه عندي غير أن متن الخبر فيه حكمة بالغة واتساق مع أصول الشريعة ، وقد يقول قائل ما ورد في النياحة كثير وأمر المعازف كلام الناس فيها معروف ولكن ما تعني بقولك فيه حكمة بالغة ؟ فأقول : أضر ما على الإنسان في هذه الدنيا ركونه التام إليها ونسيانه أمر الآخرة وأشد مداخل الشيطان الفرح الشديد والحزن الشديد حتى أن عادة الناس أن يجتمعوا عليها قال ابن الأثير في المثل السائر : الناسُ في الدنيا أبناءُ الساعة الراهنة، وكما أن النفوسَ ليست فيها بقاطنة فكذلك الأحوالُ ليست بقاطنة ، ولهذا كانت المآتِمُ بها كالأعراس، يتفرق نديُّ جمعها، فهذه تُنْسِي ما مضى من لذة سرورها، وهذه تُنْسِي ما مضى من ألَم فَجعها]. ولا شبيهَ لها على ذلك إلا الأحلامُ يتلاشى خيالُها عاجلًا، وتجعل اليقظةُ حقَّها باطلًا، وما ينبغي حينئذ أن يُفرح بها مقبلةً، ولا يُؤسَى عليها مدبرة.انتهى النقل أقول : فجاء الإفراط في الطرب عند الأفراح توكيدا على الاستغراق في هذه الفرحة وجاءت النياحة في المآتم توكيدا على الاستغراق في الحزن والمؤمن يفرح باعتدال ويحزن باعتدال لعلمه أن أمام كل حزن فرح ينسي كل ذلك الحزن وهو الفرح بثواب الله وبابه الطاعة وأما كل فرح حزن ينسي كل فرح وهو الحزن بعقوبة الله وبابها المعصية لذا هو غير غافل عن حق الله عز وجل في كل ذلك فرحا وحزنا وهو عالم بأن هذه الدنيا زائلة والزائل لا يستغرق فيه عاقل وإنما يجعله مطية إلى الدائم قال ابن أبي شيبةفي المصنف 35934- حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} قال : ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ، ولكن من جعل المصيبة صبرا وجعل الخير شكرا. وكان من رحمة الله وتخفيفه الإذن بالرثاء المعتدل عند الحزن والإذن بضرب الدفوف للنساء وشيء من التغني في الأفراح وهذا من تخفيف الله واتزان الشريعة ( وكان السلف يفعلون ذلك كله ). غير أن الناس الْيَوْم - إلا ما رحم ربي - لا يقنعون بهذا ولا يريدون سوى الاستغراق في الأمر إلى حد الفناء فيه وتكريس الغفلة ولاحظ لجوء الكثير من الشباب إلى الأغاني الحزينة ( وهي نياحة الجيل الحديث ) عند الحزن للتخفيف عن النفس ولا يزيدهم ذلك إلا وهنا ورهقا ومع ذلك إلا لشدة الغفلة عن الآخرة والاستغراق في ملذات الدنيا لذا كان هذا الأمر ( ملعوناً ) فاللعنة الطرد من الرحمة وكل ما أبعدك عن طلب أسباب الرحمة من الصبر عند المصيبة رجاء لثواب الله وثقة بخلفه وأبعدك عن الشكر عند الفرح بل جرأك على المعاصي بحجة الغبطة هو لعنة لأنه يؤدي مؤداها ولهذا كان أمر الغناء والمعازف بشقيه الحزين والمفرح أمرا يحرص عليه الكثير من فقهاء الحداثة وأعيان دعاتها لأنها يتجسد بها الاستغراق في الدنيا والغفلة عن الغائية مع ما فيها من تعظيم العشق والملذات وجعلها محور حياة الإنسان.