بيان غلط بعض النسابين على محمد بن السائب الكلبي في شأن العاربة والمتعربة...
بيان غلط بعض النسابين على محمد بن السائب الكلبي في شأن العاربة والمتعربة...
انتشرت أطروحة في الأيام الأخيرة تتكلم عن أن تقسيم العرب إلى (عاربة) و(مستعربة) أو (متعربة) غلط جاء من كاتب شعوبي أو أجير عند العباسيين اسمه محمد بن السائب الكلبي (النسابة المعروف والمتهم بالتشيع والكذب)، وبعضهم نسب الأمر إلى ابن هشام، وابن هشام ليس منفرداً بهذا، وقد سبقه إلى الكلام في الأمر كثيرين، كابن إسحاق والكلبي.
وأن هذه الأطروحة خلاصتها: الحط على قوم النبي ﷺ؛ لأنهم (مستعربة) فغيرهم آصل في العربية منهم، فهم تعلموا من أبيهم إسماعيل وإسماعيل تعلم من العرب العاربة.
تبدو هذه الأطروحة متماسكة مبدئياً غير أن العباسيين هم إسماعيليون، إلا أن يقال أن هذه الأطروحة شعوبية يراد منها الحط على النبي ﷺ أو تمهيد حكم العرب لغيرهم، مع أن الأحاديث تنص على أن الحكم في قريش، فلمْ تجعل الحكم لكل العرب ولا جعلت العربية هي أخص صفاتهم حتى، بل القرشية.
والذي لا يعرفه كثير ممن تأثر بهذه الأطروحة أن الكلبي كان يقول: إن كل العرب الأحياء الموجودين من نسل إسماعيل ومن إسماعيل تعلموا العربية. فلا فضل للقحطانيين على العدنايين والحال هذه.
قال البلاذري في «أنساب الأشراف»: "وحدثني عباس، عن أبيه، قال: اختلف الناس في قحطان. فقال بعضهم: قحطان هو يقطان المذكور في التوراة بعينه، إلا أن العرب أعربته فقالت قحطان. وقال آخرون: هو قحطان ابن هود عليه السلام بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام ابن نوح، وهو غير يقطان.
وقال هشام: كان أبى، و (ال) شرقى بن القطامي يقولان:
قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن قيذار، وهو قيدر. وكان قيدر صاحب إبل إسماعيل. واسمه مشتق من ذلك. وهو ابن إسماعيل عليه السلام بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم بن آزر- وهو تارخ- بن ناخور ابن ساروع بن أرعوا بن فالغ بن عابر بن أرفخشذ- والنصارى يقولون:
أرفخشاذ- بن سام بن نوح بن لامك. وبعض المدنيين يقولون: أزر بن ناحر بن السارع بن الراع بن القاسم- الذي قسم الأرض بين ولد نوح- ابن كعبر بن السالح بن الرافد بن السائم بن نوح. ويزعم أن ذلك عن الزهري.
والأول أثبت وأشهر. وقال الكلبي، والشرقي: إسماعيل أبو كل عربي في الأرض".
فتأمل قوله: "إسماعيل أبو كل عربي في الأرض" وهذا القول نقله ابن هشام عن جماعة من مؤرخي اليمن.
وهذه الأطروحة موجودة عند جماعة من المؤرخين القدامى، يرون أن العرب العاربة انقرضوا وأن المتعربة هم الباقون، وأن عرب اليمن إنما تعلموا من أولاد إسماعيل.
أشار إليه ابن كثير وصرح به في «حسن التنبه لما ورد في التشبه» فقال: "ويقال لذرية العرب: المستعربة؛ أي: المستوضحة؛ بمعنى أنهم يتكلمون بأعرب اللغات وأفصحها، وهم عرب الحجاز.
وأما عرب اليمن فهم بنو قحطان؛ تعلموا العربية ممن نزل اليمن من بني إسماعيل، ويقال لهم: العرب المتعربة".
وهذا كلام الغزي وهو متأخر، ولم أره صريحاً في كلام المتقدمين وإنما له إشارات فحسب.
وأما الكلبي فيجعلهم جميعاً تعلموا من أبيهم إسماعيل.
وأصحاب هذا القول عضدوه بالآثار المروية في أن "أول من فُتق لسانه بالعربية المبيِّنة إسماعيل"، وفي الصحيح أنه تعلم العربية من غيره، غير أن المراد العربية المبيِّنة وهي أفصح العربية، والعرب إنما يفخرون ببيانهم، فكان إسماعيل ببركة النبوة أبين منهم، وأما النسب فالنسب الذي اتصل بخليل الرحمن لا يضاهيه نسب.
ولكن لمَّا جاء بعض الجاهليين الذين يفتخرون بغير محل الفخر جاراهم من جاراهم بمثل هذا، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه.
ومما استدلوا به -أيضاً- الخبر المروي: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً ارموا"، وقد قاله لقوم من الأنصار من قحطان وقد نوقش هذا الاستدلال بأمور عديدة، منها: أن هذا الحي من الأنصار نسبه عدناني في الأصل -والله أعلم- وإلا فإن البخاري بوب عليه بقوله: "باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام" فكأنه يذهب إلى عمومه.
وهناك قول آخر يجعل القحطانيين والعدنانيين مستعربة أو متعربة، تعلَّم القحطانيون من البائدة وتعلَّم العدنانيون من بعض القحطانيين، ومنهم من عكس كما تقدم في كلام الغزي.