لماذا أورد ابن ماجه هذا الحديث في الرد على الجهمية؟
لماذا أورد ابن ماجه هذا الحديث في الرد على الجهمية؟
قال ابن ماجه في سننه: "183 -حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز المازني، قال: بينما نحن مع عبد الله بن عمر، وهو يطوف بالبيت، إذ عرض له رجل، فقال: يا ابن عمر، كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يذكر في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة، حتى يضع عليه كنفه، ثم يقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: يا رب، أعرف، حتى إذا بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ، قال: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، قال: وأما الكافر أو المنافق، فينادى على رءوس الأشهاد" قال خالد: في «الأشهاد» شيء من انقطاع، {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18]".
أقول: هذا الحديث أورده ابن ماجه في باب (ما أنكرت الجهمية) وقد سئلت عن سبب إيراده لهذا الحديث هنا، وقبل ذكر سبب إيراده لهذا الحديث هنا أذكر ما قاله النحاس عن هذا الحديث في كتابه الناسخ والمنسوخ: "ففي هذا الحديث حقيقة معنى الآية، وأنه لا نسخ فيها وإسناده إسناد لا يدخل القلب منه لبس وهو من أحاديث أهل السنة والجماعة".
تأمل قوله: (وهو من أحاديث أهل السنة والجماعة)
هذا الحديث يتضمن أكبر بحثين حصل فيهما النزاع بين أهل السنة والجهمية بأصنافها.
البحث الأول: إثبات علو الله عز وجل على خلقه وذلك في قوله: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة) ومن كان في كل مكان لا يدنو منه أحد، ومن كان بلا مكان أو لا داخل العالم ولا خارجه لا يدنو منه أحد، ولهذا هذا الخبر ينكر الجهمية ظاهره، ولهذا أورده ابن ماجه هنا.
البحث الثاني: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، فإنه يذكر كلاما لله عز وجل مقيدا بزمن، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم (نجوى) والنجوى تكون بصوت وبين اثنين يسمع أحدهما الآخر.
والمعطلة أنكروا صفة الكلام لأنهم ينكرون الأفعال الاختيارية أن الله عز وجل تقوم به أفعال، ولهذا خلطوا بين أفعال الله ومفعولاته، وقالوا بخلق القرآن، فجعلوا فعل الله الذي يقوم بذاته هو مفعوله الذي يقوم بغيره.
ومن أنكر منهم الحرف والصوت أنكرها لأنها تتعلق بالفعل الاختياري المتعلق بزمن وتدل عليه (وإنكار الإمام أحمد على هؤلاء مشهور مستفيض).
وهذه المسألة (الأفعال الاختيارية) تتعلق بالرد على الفلاسفة والملاحدة، وتتعلق بإثبات الحكمة، لهذا من أنكر الحكمة من أهل الكلام لأجل نفيه للأفعال الاختيارية، ونفي الحكمة أدى إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين، وأدى ذلك إلى أمور كثيرة.
لهذا قال ابن تيمية في الدرء(9/ 268) مبينا ضعف أهل الكلام من أشاعرة ومعتزلة أمام الفلاسفة الملاحدة بسبب قولهم هذا: "ولهذا كان مآل القائلين بنفي أفعال الرب الاختيارية القائمة به في مسألة قدم العالم: إما إلى الحيرة والتوقف، وإما إلى المعاندة والسفسطة، فيكونون إما في الشك وإما في الإفك.
ولهذا كان الرازي يظهر منه التوقف في هذه المسألة في منتهى بحثه ونظره، كما يظهر في المطالب العالية، أو يرجح هذا القول تارة، كما رجح القدم في المباحث المشرقية، وهذا تارة، كما يرجح الحدوث في الكتب الكلامية.
وابن سينا وصى بالأصل المتضمن نفي صفات الرب وأفعاله القائمة به.
ثم ذكر القولين في قدم العالم وحدوثه، مع ترجيحه القدم، مفوضا إلى الناظر الاختيار، بعد أن يسلم الأصل الذي به يحتج على القائلين بالحدوث".
وأيضا تعلقت هذه المسألة بتوحيد الألوهية، لأن القائلين بخلق القرآن التزموا القول بخلق أسماء الله الحسنى، مما سهل بعد ذلك دعاء المخلوقين على طريقة أهل الإشراك.
فالمسألة ليست كما يصور البعض مسألة كلامية مضى عليها الزمان بل هي مسألة من كبار مسائل التوحيد، ويتفرع عليها شيء عظيم، ولكن كثيرا من الناس يتعاملون مع بعض فروعها دون التنبه لكون هذا الفرع يتعلق بهذه المسألة.
وصنيع ابن ماجه والنحاس هو أحد الأدلة التي لا تحصر في كون السلف كانوا أهل إثبات، وأن الجهمية الأولى يتقاطعون بشكل واضح مع المتكلمين المتأخرين من أشاعرة وماتردية.