كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل كان عند المتكلمين أدلة شرعية متينة؟ (بيان عمق فقه السلف)

المصدر
هل كان عند المتكلمين أدلة شرعية متينة؟ (بيان عمق فقه السلف) قد يتضايق بعض القراء من الحديث في هذه القضايا غير أننا نردُّ على ضلالة لها دعاتها ونبيِّن إشكالات يَكثُر السؤال عنها، والناس ثغور مختلفة وكل إنسان يخدم الدين في المجال الذي يحسنه. علمًا أن ما أتكلم به هنا لا يَبعُد عن قضية حماية التراث وصيانة الثوابت، فإن بعض الناس يزعم أن السلف الذين أطلقوا تكفير القائلين بخلق القرآن قد بالغوا في ذلك وأسَّسوا للغلو في مسألةٍ أمرها هيِّن إذ لكل فريق أدلته. ومثل هذا لا يختلف عن الطعنِ بقولٍ تتابع عليه الفقهاء والزعمِ بأنه تشددٌ وتضييقٌ أو الطعنِ في حديثٍ تتابَع الأئمة على تصحيحه والزعمِ بأنه منكر، ومعلومٌ اليوم اجتهاد أهل الباطل في تصغير أئمة السلف ثم بعد ذلك الولوج إلى السنة ثم الطعن في القرآن صراحةً أو تأويله بتعسفات قرمطية حتى يصير موافقًا لأهوائهم. والآن نشرع في المقصود: كل من يفهم مقالات المتكلمين وكيف بُنيت يعلم جيدًا أن رصيدهم من الأدلة الشرعية شبه معدوم، ولهذا تكلم متأخروهم صراحةً بقاعدة تعارض العقل والنقل وتقديم العقل، وكذلك كثرة شغب متأخريهم على الأخبار بحجة أنها آحاد، وكذلك كثرة استخدامهم لأداة التحريف التي يسمونها تأويلًا، ولو كانت ظواهر النصوص معهم ما اضطروا لكل هذا، ولو كان عندهم من الأدلة الشرعية ما يعارض هذه الظواهر لأبرزوه بقوة. مسألة (خلق القرآن) مبنية على مسألة أكبر، فأهل الكلام من معتزلة وأشعرية لا يؤمنون بأن الله عز وجل يفعل ما شاء متى شاء فعلًا قائمًا بذاته، هذه هي المقدمة الأولى. وبُنِي عليها أن فعله ومفعوله واحد ولا يوجد سوى المفعولات المخلوقة، هذه هي المقدمة الثانية. وعليه فكل ما له بداية ونهاية هو مفعول مخلوق لأنه ليس لله أفعال اختيارية أصلًا، وعليه فالقرآن الذي نعرفه هو مخلوق، وليس هذا فحسب، بل كل نصوص الكلام، فكلام الله عز وجل لموسى لم يكن كلامًا بالمعنى المعروف في اللغة بحرف وصوت أو فعل اختياري بل خَلقًا خَلَقَه الله في نفس موسى، وكذلك كلام الله للقلم وكذلك كلام الله لنا يوم القيامة وكذلك التوراة والإنجيل والزبور. ولمَّا كان السلف فاهمين لحقيقة قول القوم كان ردهم تارة يهدم المقدمة الأولى فيهدم ما بعدها، وتارة يهدم المقدمة الثانية وتارة يهدم المقدمة الثالثة. فعلى سبيل المثال، استدل السلف بآية {ألا له الخلق والأمر} لبيان الفرق بين الفعل والمفعول وأنهما متغايران، وجعلوا ذلك من أدلة عدم خلق القرآن علمًا بأن الآية لا ذكر فيها للقرآن صراحةً، ولكن لمَّا كان القائلون بخلق القرآن بنوا قولهم على عدم التفريق بين الفعل والمفعول استدلوا عليهم بهذه الآية. فإذا كان لله أفعال اختيارية وقد وُصِف القرآن بأنه كلام الله هكذا استقر الأمر وانضبط. وأيضًا تجدهم يستدلون بآية {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} ويقولون لو كانت (كن) مخلوقة فستحتاج إلى كن أخرى ويتسلسل الأمر تسلسلًا ممتنعًا، وهنا أثبتوا أن الفعل الاختياري غير مخلوق، وعليه فهو غير المفعول، والآية ليس فيها ذكر للقرآن صراحةً ولكن إذا ثبت الفعل الاختياري ثبت أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وتجدهم يستدلون بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات"، وقالوا لا يستعاذ بمخلوق، فإذا ثبت أن كلمات الله غير مخلوقة فهي فعله الاختياري، وإذا ثبت أنه يفعل ما شاء متى شاء والقرآن سُمي كلامًا له فالقرآن غير مخلوق لأنه فعله الذي قام فيه. وتجدهم يتكلمون هم والمعتزلة عن كلام الله لموسى علمًا أن الله عز وجل ما خاطب موسى بالقرآن، فما علاقة خطاب الله لموسى بالخلاف في القرآن؟ خطاب الله لموسى وتسميته "الكليم" يدل على أن الله عز وجل يتكلم بما شاء متى شاء وهذا ينقض شبهة القائلين بخلق القرآن من أساسها. ولمَّا ظهرت الكلابية وقالت نسلِّم بأن كلام الله غير مخلوق ولكن كلام الله ليس فعلًا بل هو معنى قائم بالنفس بلا حرف ولا صوت، اتسعت دائرة الأدلة الناقضة عليهم. فصار كل دليل يدل على أن القرآن الذي في الأرض يسمى كلام الله نقضًا عليهم {حتى يسمع كلام الله}. وصار كل دليل يدل على أن كلام الله بحرف وصوت ناقضًا عليهم. قال الترمذي في جامعه: "2415 - حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من رجل إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استطاع منكم أن يقي وجهه حر النار ولو بشق تمرة فليفعل. هذا حديث حسن صحيح. حدثنا أبو السائب، قال: حدثنا وكيع، يوما بهذا الحديث عن الأعمش، فلما فرغ وكيع، من هذا الحديث قال: من كان هاهنا من أهل خراسان فليحتسب في إظهار هذا الحديث بخراسان، لأن الجهمية ينكرون هذا". = = فالأمر لا يقف عند القرآن، فهم ينكرون كل كلام اختياري، كلام الله لموسى وكلامه للقلم وقوله للأشياء كن وكلامه لعباده يوم القيامة وخطابه مع الملائكة، وتأمَّل حديث عدي "سيكلمه" بصيغة المستقبل وهذا من أبلغ ما يدل على وقوع الفعل بعد أن لم يكن وهذه حقيقة الفعل الاختياري. قال بدر الدين العيني في عمدة القاري: "قوله: (فيناديهم بصوت) قال القاضي المعنى يجعل ملكا ينادي، أو يخلق صوتا ليسمعه الناس، وأما كلام الله تعالى فليس بحرف ولا صوت، وفي رواية أبي ذر (فينادي بصوت) على ما لم يسم فاعله". أقول: ما الذي يحملهم على هذا التعسف سوى إنكار أن الله عز وجل يتكلم بما شاء متى شاء. قال النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق: "ثنا عبد الله بن أحمد قال سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت قال أبي تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه أحاديث نرويها كما جاءت وقال أبي حديث ابن مسعود إذا تكلم الله عز وجل يسمع له صوت كمر سلسلة على الصفوان قال أبي فهذا الجهمية تنكره وقال أبي وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت". تأمَّل قوة انطباق كلام الإمام أحمد على تأويلات الجهمية الكلابية ومن تبعها من الأشعرية والماتردية، وكلامه واضح في إثبات الفعل الاختياري بدليل قوله "يتكلم" واستشهاده بحديث "إذا تكلم الله بالوحي". قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (12/ 126): "وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله كما قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد} {في لوح محفوظ} وقال تعالى: {إنه لقرآن كريم} {في كتاب مكنون} {لا يمسه إلا المطهرون} . وقال تعالى: {كلا إنها تذكرة} {فمن شاء ذكره} {في صحف مكرمة} {مرفوعة مطهرة} {بأيدي سفرة} {كرام بررة} وقال تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم}، فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله. والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها كما ثبت ذلك في صريح الكتاب والسنة وآثار السلف ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها". أقول: وكتابته في اللوح المحفوظ أو في كتاب في بيت العزة يدل على أن الله كاتبه وأنه بدأ من الله، ومن يكتب كلامًا هذا الكلام يسمى كلامه وهو حروف، وقد كتب الله التوراة لموسى وهي كلامه، وهذا كله خلاف عقيدة القوم والأدلة دلت على أن الله تكلم قبل كتابة المقادير بحديث "أول ما خلق الله القلم" وكان أحمد يحتج به على الجهمية. وعجيبٌ التشبث بأثر عن ابن عباس لا علاقة له بالبحث وترك الحديث المشهور "إذا تكلم الله بالوحي" والقوم أصلًا لا يقف أمرهم عند القرآن بل كل كتب الله عز وجل وكلامه للقلم وكلامه لموسى وكلامه لعباده قبل القيامة ويوم القيامة كل ذلك عندهم مخلوق وليس فعلًا اختياريًّا و كلامًا حقيقيًّا. في رحاب فقه أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها.. قال ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: سمعت يزيد بن الأصم، يقول: كان لميمونة قريب، فرأته وقد أرخى إزارة بطنه، فلامته في ذلك ملامة شديدة، فقال لها: إني قد رأيت أسامة بن زيد يرخي إزاره، قالت: كذبت ولكن كان ذا بطن فلعل إزاره كان يسترخي إلى أسفل بطنه". هذا إسناد صحيح، ويزيد بن الأصم هو ابن أخت ميمونة. وإنكار ميمونة عليه إما أن يُحمَل على أنها ترى أن ما بين السرة والركبة عورة فشدَّدت عليه في كشف العورة المخفَّفة بلا حاجة، ومثله كشف الفخذ. وإما أن يُحمَل على أنها تنكر عليه الإسبال، فإن الإزار إذا ارتخى صار تحت الكعبين. وعلى كل حال في هذا التشديد في أمر الملبس، واليوم كثير من الناس يرون هذا قشورًا وينتقدون من يدقِّق على الناس في هذا. وفي الأثر نقد مسلك تتبُّع زلات العلماء، فقد بيَّنَت له أن هذا العالِم الذي يستدل به وقع منه الأمر بدون قصد. وقد يقع أن يقول العالم بقول لكونه لم يظهر له الدليل، فلا يجوز لمن ظهر له الدليل أن يتبعه. وقد يكون هذا العالم لا يصح عنه أصلًا ما يذكر. وقد نسب ابن عرفة المالكي للإمام مالك إباحة الغناء فردَّ عليه عدد كبير من المالكية حتى كتب من كتب [السيف اليماني على من قال بحل الأغاني]. وفي المدونة: "قلت: أكان مالك يكره الغناء؟ قال: كره مالك قراءة القرآن بالألحان، فكيف لا يكره الغناء، وكره مالك أن يبيع الرجل الجارية ويشترط أنها مغنية فهذا مما يدلك على أنه كان يكره الغناء". وفي النوادر والزيادات لابن أبي زيد من كتب المالكية: "قال ابن حبيب: ومن علَّم جاريته الغناء لم تجز شهادته وإن لم يسمعها. وكذلك من حضر سماع ذلك وعرف بحبه. ولا يجوز لبائع المغنية أن يأخذ لغنائها ثمنا، فإن باع على ذلك رد البيع، فإن فاتت كان فيها قيمتها على أنها غير مغنية. وقال مالك وأصحابه المصريون: إذا باعها فليبين أمر غنائها، فإن لم يفعل فهو عيب ترد به". وفيه أيضًا: "وينبغى للإمام أن ينهى عن الغناء ويكسر جميع الملاهى من بوق ومزمار والعود والبرابط والمصافق وغيرها من أدوات اللعابين إلا الكبر والمزهر والدف". وقال الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن الغناء، فقال: «الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني» قال: وحدثني أبي قال: حدثني إسحاق بن عيسى الطباع، قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: «إنما يفعله عندنا الفساق»". وهذا إسناد صحيح عن أحمد وعن مالك. وقال ابن تيمية في الاستقامة: "وأما نقلهم لإباحته عن مالك وأهل الحجاز كلهم فهذا غلط من أسوأ الغلط فإن أهل الحجاز على كراهته وذمه ومالك نفسه لم يختلف قوله وقول أصحابه في ذمه وكراهته بل هو من المبالغين في ذلك حتى صنف أصحابه كتبا مفردة في ذم الغناء والسماع وحتى سأله إسحاق بن عيسى الطباع عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق. وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة السماع حكاية عن مالك أنه ضرب بطبل وأنشد أبياتا وهذه الحكاية مما لا يتنازع أهل المعرفة في أنها كذب على مالك". وقد كان الإمام مالك وغيره ينهون عن تتبُّع الرخص وزلَّات العلماء ولا يعتبرون بالخلاف الضعيف، حتى أن الإمام مالكًا يجلد بالنبيذ. جاء في شرح مختصر خليل للخرشي: "وكذلك يجب الحد على من شرب النبيذ المسكر، ولو كان حنفيا يرى جواز شربه قال مالك: أحده ولا أقبل شهادته. وقال الشافعي: أحده وأقبلها، وصوب الباجي عدم الحد، وصححه غير واحد من المتأخرين". ومجالسة مالك لسفيان على المناصحة، وقد فارقه سفيان على ألا يشربه كما في مسند أحمد، ومذهب أحمد والشافعي إقامة الحد مع عدم إسقاط الشهادة، ومالك أشدُّهم يُسقِط حتى الشهادة، والخلاف في النبيذ أقوى من الخلاف في المعازف إذ إجماع المتقدمين قوي في حرمتها.