=
=
قال المرداوي في الإنصاف (2/ 55) : "قوله: السابع، أكل لحم الجزور. هذا المذهب مطلقا بلا ريب. ونص عليه. وعليه عامة الأصحاب. وهو من المفردات. وجزم به في «المذهب الأحمد» وغيره. وعنه، إن علم النهي، نقض، وإلا فلا. اختاره الخلال وغيره. قال الخلال: على هذا استقر قول أبي عبد الله. وأطلقهما في «المذهب»، و «مسبوك الذهب». وعنه، لا ينقض مطلقا. اختاره يوسف الجوزي، والشيخ تقي الدين. وعنه، ينقض نتنه فقط. ذكرها، ابن حامد. وعنه، لا يعيد إذا طالت المدة وفحشت. قال الزركشي: كعشر سنين. وقيل: لا يعيد متأول. وقيل: فيه مطلقا روايتان. فعلي الرواية الثانية، عدم العلم بالنهي هو عدم العلم بالحديث. قاله الشيخ تقي الدين وغيره، فمن علم لا يعذر. وعنه، بلى، مع التأويل. وعنه، مع طول المدة".
خلاصة هذا أن مذهب أحمد وحده من بين الأربعة نقض الوضوء بأكل لحوم الإبل، ومعه أحاديث في الصحيح وآثار، وقوله قوي جداً، ومال له كثير من المحققين.
ثم الحنابلة تنازعوا في الجاهل الذي أكل لحوم الإبل هل ينتقض وضوءه بمجرد الأكل.
فقالوا: "إن علم النهي انتقض وضوءه"، ولاحظ هنا أنهم يتكلمون عن عموم الناس سواءً كانوا حنابلة على مذهبهم أو على مذاهب أخرى، أو عوام لا مذهب لهم.
وهناك رواية أخرى بعدم النقض، ويبدو أن فيها مراعاة للخلاف، وهذه الرواية تؤكد أن الرواية الأولى في شأن غير المتمذهب بمذهب أحمد، واختار الخلال الأولى.
وفسر ابن تيمية عدم العلم بـ(عدم العلم بالحديث)، فمن علم بالحديث وصحته تعين عليه اتباعه، وهذا نظير قولهم في النبيذ أنهم يجلدون به وإن أجازه الحنفية، ونظير كلام الشافعي وأحمد الشديد في مسألة رفع اليدين مع مخالفة من خالف، وقد خرج ابن تيمية على هذا الإنكار في مسألة نكاح التحليل وصنف فيها مجلداً كبيراً، ومثل ذلك كلام أحمد في زكاة الفطر، وتشديده على أبي ثور في نكاح المجوسيات وذبائح المجوس، وفي زمن أحمد لم يكن الأمر قد استقر على أربعة (كما يزعم المتأخرون) لهذا كان يعلي من شأن فتاوى إسحاق، ولذا الاستدلال بإنكاره على أبي ثور مستقيم.
والخلاصة أن ليس كل الخلافيات ينكر فيها ويشدد، ولكن هناك خلافيات الأئمة أنفسهم شددوا فيها لظهور الدليل، فكما أن القول بالإنكار مطلقاً يجر فتناً وإشكالات، فكذلك إسقاط الإنكار بالكلية فيه إهدار لجهود الفقهاء، وعدم اتباع لهم ومخالفة لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، وإسقاط لفائدة كثير من علوم الآلة وفي الحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، فالحق دائماً له مزية حتى وإن لم يثرب على المخالف، فكيف في أبواب فيها نوع تثريب لظهور البينة جداً.