الطاهر يطهر عباده (العلاقة بين اسم القدوس والتزكية)..
الطاهر يطهر عباده (العلاقة بين اسم القدوس والتزكية)..
قال تعالى: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة]
تدبرت كثيرًا في افتتاح الآية باسم (القدوس) حتى تذكرت أن السلف فسَّروا القدوس بالطاهر فظهر لي مناسبة ذكر القدوس في بداية الآية.
قال الطبري في تفسيره: "القدوس: وهو الطاهر من كل ما يضيف إليه المشركون به".
وفي الآية التي تليها قال سبحانه: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم}.
والتزكية تطهير، فالزكاة طهرة للمال، ولهذا قال ابن عباس في زكاة الفطر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين" رواه أبو داود وابن ماجه
فلما كان سبحانه منزَّهًا مقدَّسًا عن النقائص كان وحيه مطهِّرًا لعباده من النقائص البشرية.
ولما كان الحكيم سبحانه جاءت منه الحكمة.
والبشر إذا كان المرء منهم ملِكًا يأمر في غيره وينهى فيطاع، أو عزيزًا يملك أن يضر غيره ولا يملكون الإضرار به..
خشي منهم الظلم، إما لنقص في العلم، والله عز وجل منزَّه عن ذلك فهو الحكيم..
وإما لنقص في التقوى ودنس في النفس، والله منزَّه عن ذلك فهو القدوس.
والملك العزيز من البشر لا يحصل له التمام إلا بالاستضاءة بالوحي، ولعل هذا من حكمة ذِكر هذا في بداية سورة الجمعة، فقد كان من عادة السلف أن يخطب بالناس الأمير وصار من ينوب عنه في الأزمنة المتأخرة، فجعل استفتاح الآيات بذكر هذه الأسماء تذكيرًا للأمراء والمطاعين بطريق التزكية.
وسبحان الله، ذمَّ الله عز وجل اليهود بأعظم الذم فقال سبحانه {مَثَل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا}.
وكأن في هذا تنبيهًا على أن ثلب المخالفين وتقبيح أحوالهم هو من جملة التزكية ولا ينافيها كما يظن بعض الناس.