التقارب بين المذاهب والأديان عملية غير موجودة من الأساس...
التقارب بين المذاهب والأديان عملية غير موجودة من الأساس...
بمناسبة الحديث هذه الأيام عما يسمى بـ(التقارب بين المذاهب) و(التعايش بين الأديان) أود أن أقول إن هذه العملية بالمعنى الذي يتكلمون عنه ممتنعة الوقوع، شأنها شأن الحديث عن تعدد الحق أو السفر عبر الزمن وغيرها من الممتنعات، التي لا يعقل كثير من الناس أنها ممتنعات.
فإن قيل: كيف هذا؟
قلت: قولهم (التقارب) يقصدون به في الغالب إسقاط الأحكام التمييزية ضد المخالف العقدي، من بغضٍ له أو حتى هجره أو ترك مزاوجته أو تقديمه في الوظائف الدينية، وغير ذلك مما يترتب على التكفير أو التبديع.
وقولهم (المذاهب) يقصدون به المذاهب العقدية، كالشيعة والسنة والصوفية والأشعرية والإباضية وغيرها (وهناك ما يكون بين أهل الأديان).
كل مذهب من هذه المذاهب العقدية له حضور تاريخي وأهل، ومن ضروريات كل مذهب من هذه المذاهب أنهم يعتقدون في أصحابهم أنهم على استقامة، وأن خلافهم مع المذاهب العقدية الأخرى يختلف كماً وكيفاً عن خلافياتهم فيما بينهم.
فلو قال الشيعي (خلافي مع السني هو من جنس خلافي مع الشيعي الآخر في قضايا فقهية) لم يعد شيعياً، ولم يعد التشيع بهذا الاعتبار مذهباً عقدياً بل يصير مذهباً فقهياً.
ولو قال السني الأمر نفسه، لقلنا له ما نقول للشيعي.
فباختصار: القوم المتقاربون وفقاً للاعتبار المذكور هم منشقون عن مذاهبهم، ويقرأونها قراءة خاصة تستبعد كل الأحكام التي اتفق عليها أهل مذهبهم في التعاطي مع المخالف، والتي لولاها لما كانوا فرقة عقدية.
فهو تقارب مجموعة من المنشقين عن المذاهب، المتمردين عليها في باب من أبوابها فيما بينهم، وليس تقارباً بين المذاهب نفسها.
والأحكام مثل الصلاة خلف المخالف العقدي أو الصلاة عليه أو مناكحته أو تقديمه على غيره في الصلاة والوظائف الدينية أو غيرها من المعاملات التمييزية، لا ينفك عنها أهل مذهب، وهي من ضروريات اعتقاد أنهم على الحق، وهذه الممارسات تفتح الباب لغيرها.
وأما الأمر بين أهل الأديان فهو أعظم، فلا يمكنك أن تجبر المسلم على الرضا بالزواج من النصراني ولا أن تجبر المسلم على أن يتزوج الهندوسية أو البوذية، وأما أن يعيش كل واحد منهم مع نفرته من الآخر في ملفات معينة فهذا واقع الناس، فما الذي تزيده أنت وما الذي تغيره؟
وفتح باب تحريف الأديان من خلال تحريف ملف التعامل مع المخالف العقدي يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه لأي تحريف آخر، وفقاً لأهواء ليبرالية إنما بُنيت على عدم الإقرار بالآخرة؛ وعدم الإقرار بوجود حق مطلق في الأديان؛ وحق ظاهر مخالفه مستحق للعقوبة الدنيوية -وهذه لها مقامات فهي لا تعني القتل بالضرورة- والأخروية.