كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وقود الأمل (كلام مزعج ولكن ينبغي أن يقال).

المصدر
وقود الأمل (كلام مزعج ولكن ينبغي أن يقال). أكثر الناس في زماننا يؤمنون بفكرة الفردوس الأرضي أو الجنة الأرضية بطريقةٍ أو بأخرى والمؤمنون بهذه الفكرة طرائق قدداً يتسابقون كأنهم يجرون في الميدان ولا بد أن يبقى معك أمل لتستمر في الجري فإنك إن توقفت سيسبقك الآخرون فحتى الفكرة الحق إذا توَّقف صاحبها عن دعمها سينتصر الباطل عليها فالحق لا بد له من رجال وفي هذا المضمار أخطر شيء على الإنسان اليأس لأنه إن دخل إلى نفسه سيتوقف عن الجري ويخسر السباق فالأمل هنا بمنزلة الوقود في السيارة إن فقَدت الرصيد الكافي منه ستتوقف ويسبقها غيرها الأفكار المتصارعة أو المتسابقة اليوم أنواع أولها: الفئة الراكنة إلى قوة موجودة وهي فئة تؤمن بفكرة الفردوس الأرضي والمشروع الذي سيغير وجه الأرض ولكن لا تؤمن أنه سيتم على يد أفراد عاديين أو مخلِّص (كالمسيح أو المهدي) أو جماعات صغيرة مغضوب عليها دولياً بل يؤمنون أن هذا المشروع يتم على يد قوة إقليمية ممكَّنة والمؤمنون بهذه الفكرة هم أنواع بحسب الفئة التي اختاروها لتكون محلاً لأحلامهم واختيار هذه الفئة لا يخلو في العادة من محاكاة بعض النماذج الغربية أو كونها تحقق رؤية فكرية ملفَّقة مثل (الإسلام الحداثي) الذي يخلط بين الإسلام وبعض قيم الحداثة على اختلاف بينهم في القيم التي يختارونها أو من يختار (النموذج الحلم) لاعتبارات عرقية ووطنية واليوم الغالبية القصوى من الناس هكذا وهذه الفئة وقود الأمل عندها يتمثل بالتالي تحسس إنجازات (النموذج الحلم) وربما صناعة إنجازات وهمية وتصوير هذه الإنجازات على أنها خطوات كبيرة في سبيل المشروع الكبير الذي سيغير وجه الدنيا للأحسن المطلق و (النموذج الحلم) يتفاعل مع هذا الأمر ويوفِّر لهم (وقوداً) بين الفينة والأخرى لتشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الحدث وتكثُر النقاشات وأيضا من وقودهم تتبع أخطاء النموذج المقابل لتصويره على أنه (الشر المطلق) الذي سيقوم نموذجهم (الحلم) بتحطيمه وتخليص الدنيا منه لينتهي (الشر) من الدنيا في تلك اللحظة ونكون متأهبين لدخول فردوسنا الأرضي وجود أخطاء عند النموذج (الحلم) أو إنجازات عند الطرف الآخر أمر يكدِّر عليهم صفوهم وقد يُدخل إليهم الشك في قضيتهم لِذا يرفضون ذلك البتة والأذكياء منهم يحاولون أن يُظهروا الأخطاء على أنها شيء يسير في مقابل أخطاء النموذج المقابل وفكرة أن كلا الطرفين فيه حق وباطل غير مطروحة نهائياً هذه الطريقة في المطارحة انتقلت عدواها إلى النقاشات العقائدية فصارت عقيدة تفضل على عقيدة بإنجازات دنيوية ! مع أن أفضل ما تُحققه لك العقيدة الصحيحة أنها توصلك بالله وتنجيك في آخرتك ولها آثار طيبة على النفس ولكنها لا تقاس بمعايير العالمانيين الذين يرون الدنيا من خلال معاييرهم الخاصة ويحاكِمون إلى أصولهم التي لَم يُثبتوا صحتها بغير الدور والاحتكام للذات فالعالمانية صحيحة لأنها تحقق أهداف العالمانية ! طيب ولماذا أهداف العالمانية هي الصحيحة أصلاً ؟ النوع الثاني من الفئات المتصارعة: الفئات التي لا تقتنع بأي قوة من القوى الإقليمية ولا النماذج المعاصرة بصفتها فردوساً ولا حتى ممهِّداً لفردوس (إلا نموذجاً معيناً سيأتي ذكره) وهذا النوع أهله ينقسمون إلى قسمين: قسيم يُؤْمِن أن الفردوس سيأتي على يد المخلِّص وهذا الضرب لا يجري في المضمار إلا بوقود أمل ووقود الأمل يأتي من خلال مشروع (التمهيد للمخلِّص) ويندرج تحت هذا القسم فئام من اليهود والنصارى والإمامية وربما تخيلوا وجود وزير أو ابن للمخلص وكثُر توهمهم في شأن علامات ظهور المخلص ولكن الوقود قد ينفد في حالة واحدة وهي حالة مقارنة (النماذج الممهِّدة) بما ينبغي أن يكون عليه المخلِّص فهنا سينفُر كثير منهم من النموذج الممهِّد ويتركه لأنه بطبيعة الحال غير معصوم ومثل هذه الأفكار مغناطيس لأصحاب الأغراض المتعلقة قلوبهم بالدنيا جداً وهؤلاء مظنة فساد وتكثُر النزاعات بينهم جداً بِمَا يجعلهم يخرُجون من حلبة السباق وقد يكون الممهِّد كياناً سياسياً ممكَّناً كما في النموذج الإيراني أو دولة الكيان الصهيوني وهنا يحصل نوع التقاء بين الصنفين الأول والثاني وأما القسم الثاني ممن لا يركنون إلى نموذج سياسي ممكَّن هم من لا يؤمنون بالمخلِّص ويرون في جماعاتٍ معينة الخلاص وهؤلاء وقودهم في تزييف النماذج السابقة ويتعاملون مع إنجازات الجماعة (الحلم) كما يتعامل أصحاب الأول مع (النموذج الحلم) غير أن هؤلاء قد يقعون في فخ جماعة المخلِّص فيفترضون حالة من العصمة والقدسية في الجماعة الحلم يدعو إلى الغلو فيهم وهذا الغلو ينفِّر العقلاء ويمنع من وجود مراجعات جادة لبعض الأخطاء مع كون الكثير من العاطفيين إذا صُدِموا ببعض الأخطاء فإنهم سيستغنون عن المشروع برمَّته لأنه لم يحقق لهم القدر المتخيل في نفوسهم من القدسية ! وإن سألتني عن رأيي فسأقول لك: = = أنا لا أهتم بالوقود كثيراً بل الذي يهمني هل حلبة السباق هذه لها أمدٌ حقيقي يعني هل يوجد خط نهاية ممكن من خلاله أن نأتي بنموذج (فردوس أرضي) هو خيرٌ محض ولا مدخل فيه للعيوب حتى عيوب البشر المطبقين ، غنمه خالص دون غرم أو أخطاؤه يسيرة مقارنة بحسناته العظيمة جداً ثم هذا النموذج يستمر مدة طويلة دون أن يكون فيه ثغرات تُقصر عمره ثم مثل هذا النموذج هل لا يتم الوصول إليه إلا من خلال هذه الطرق التي تعمَد إلى الأمر من فوق ؟ حقيقةً كثيرٌ من المؤمنين بهذه النماذج أُسميهم (الهاربون من الله) وإن كان اسم الله يُذكر كثيراً ولكن حقيقةَ الأمر الله ليس هو المركز الذي يراد الوصول إليه بل اسمه وسيلة للوصول إلى ما يريده هؤلاء مع أن أقصى ما يريدونه ما هو إلا وسيلة لتحقيق المكسب الأعظم الوصول إلى الله ! يظن كثيرون أن عدم إيمانك بواحدٍ من هذه النماذج يعني ركونك للواقع بكل حيثياته ولكن هذا غير صحيح إذا كنت تتعامل مع الواقع على أنه مزرعة الآخرة فهذا الوقود الذي لا ينفد تحت أي ظرف ستبقى تعلم وتعمل وتدعو وتصبر حتى تَخرُج أنفاسك بغضِّ النظر عن النتائج لأن نتيجتك الكبرى تجدها في الآخرة بخلاف النماذج المذكورة أهلها مضربُ مثلٍ في كثرة الانتكاسات والتقلبات وهذه إحدى لعنات طغيان الفكر الغربي بطوباياته التي حولت أناساً بين أيديهم القرآن إلى قوم بدائيين يؤمنون بأفكار ساذجة ويصرفون فيها عمرهم بل ويقرأون النصوص والتاريخ من خلالها وكم من واحد كان عنده ألف طريق للسعادة عن طريق الاتصال بالله وتدبُّر القرآن وتصحيح العقيدة والعمل الصالح فيهرُب من ذلك ويذهب يطارد السراب والأعجب من يكفُر بالله لأنه يظن بأن الشريعة تتناقض مع هذه النماذج وسبحان الله لو تأمل لوجد فكرة الفردوس الأرضي هي من أشد الخرافات بدائيةً وكيف تقارَن مجرد مقارنة بأمر الإيمان بالله عز وجل بكل براهينه وما يعطيه من قيمة للحياة وكذلك أولئك المساكين الذي يجعلون إيمانهم ببعض هذه المشاريع مرجِّحاً في الخلافيات العلمية أو سبباً لمهاجمة التراث ككل أو بعض صور التراث الصحيح في نفسه ومن تدبر هذه المعاني علم شيئاً من أسباب ما الناس فيه من هرج ومرج وأن عصرنا لا يقل خرافات عن الأعصار السابقة ولكنها خرافات أنيقة ! يد أهل الحديث على أهل العربية. من المشهور في كتب الرجال ( روى عنه الحمادان ) وتجد في بعض كتب العقائد في تعديد أئمة السنة ( الحمادين والسفيانين ) ويريدون بالحمادين حمّاد بن سلمة وحماد بن زيد وكلاهما إمام بصري من أئمة أهل الحديث والسفيانان هما سفيان الثوري إمام أهل الكوفة وسفيان بن عيينة إمام أهل مكة ومما لا يعرفه كثيرون أن حمّاد بن سلمة له أثر عظيم على علماء العربية مع جلالته في الحديث جاء في كتاب طبقات النحويين لأبي بكر الاشبيلي :" يونس بن حبيب هو أبو عبد الرحمن الضبي، مولًى لهم. وكان من اهل جَبُّل. أخذ عن أبي عمرو. وكان النحو أغلب عليه. قال ابن عائشة: قال يونس بن حبيب: أول مَن تعلمتُ منه النحو: حماد بن سلمة. وعاش ثمانيًا وثمانين سنة" أقول : يونس بن حبيب هذا شيخ الكسائي والفراء وسيبويه وهؤلاء أعيان أهل اللغة وشيخهم أخذ أول ما أخذ عن أحد كبار المحدثين وأئمة أهل السنة وحتى سيبويه قيل أن حمادا هو سبب طلبه للنحو جاء في طبقات النحويين : " قال أبو علي البغدادي: ولد سيبويه بقرية من قرى شيراز، يقال لها: "البيضاء" من عَمَل فارِس، ثم قدم البصرة ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد بن سلمة، فبينا هو يستملي على حماد قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس مِن أصحابي إلَّا مَن لو شئتُ لأخذتُ عليه ليس أبا الدرداء". فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء". فقال حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، وإنما "ليس" هاهنا استثناء. فقال: سأطلب علما لا تلحنني فيه. فلزم الخليل فبرع. وقال عبيد الله بن معاذ العنبري البصري: جاء سيبويه إلى حماد بن سلمة، فقال: أحدثك هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُفَ في الصلاة؟ فقال حماد: أخطأتَ، إنما هو "رَعَفَ". فانصرف إلى الخليل، فشكا إليه ما لقيه من حماد، فقال: صدق حماد، ومثل حماد يقول هذا. و"رَعُفَ" لغة ضعيفة، والصحيح "رَعَفَ" وكان يحيى بن معين يقول :من رأيته يطعن في حمّاد بن سلمة فاتهمه على الإسلام وحقا أهل الأهواء يبغضونه لكونه يكثر رواية أحاديث الصفات لهذا طعن فيه الماتردي في تفسيره وتبعه عدد من النفاة من أواخرهم الكوثري الذي وصف حمادا بأنه : أداة صماء في يد المشبهة . وسبحان الله تناقض القوم في شأنه أشد التناقض فحماد على جلالته يخطيء في غير حديث ثابت وحميد وهو أثبت الناس في ثابت روى عن ثابت حديث ( إن أبي وأباك في النار ) فطعنوا في حمّاد مع أن حديثه في صحيح مسلم وهو من روايته عن أخص شيوخه ولما روى زيادة عن أبي جعفر الخطمي في حديث الأعمى احتاجوها في مسألة التوسل هذه الزيادة ( وافعل ذلك في أمرك كله ) التي تبعد احتمال الخصوصية بالأعمى أو كون الأمر توسلا بالدعاء الذي لا يختلف فيه لما احتاجوا الزيادة وثقوا حمادا واحتجوا به مع أنه زاد زيادة من دون ثلاثة من الثقات هُم أوثق منه وقد زادها عن شيخ لم يكثر عنه وهو يخطيء عن شيوخه الذين لا يكثر عنهم فهذه زيادة واضح شذوذها فتأمل الهوى ما يصنع بأهله.