مظاهر الرحمة والمغفرة تحيط بك على طول الخط في الفقه.
مظاهر الرحمة والمغفرة تحيط بك على طول الخط في الفقه.
حين تقرأ القرآن تقول (بسم الله الرحمن الرحيم) وأول سورة تتلوها الفاتحة فأولها {الحمد لله رب العالمين} فتحمد الله، ثم تقرأ {الرحمن الرحيم} فكأنك تحمد الله على الشريعة التي كلها رحمة.
وقد تأملت في الأبواب الفقهية فما وجدت باباً يخلو من التنبيه على رحمة الله عز وجل ومغفرته.
ففي الطهارة وردت أخبار في فضل الوضوء وأنه يكفر الذنوب وأنها تتساقط مع الماء، وورد ما ورد في فضل ركعتي الوضوء وأنهما سبب للمغفرة.
وفي الصلاة ورد الفضل في المشي إلى المسجد وما فيه من حط الخطايا، وورد خبر في أن ذنوب العبد توضع على عاتقيه فإذا ركع أو سجد تساقطت، وورد الخبر في فضل من وافق تأمينه تأمين الإمام وأنه يغفر له، وغيرها في باب الصلاة مثل الوارد في أن من الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما.
وأما في الجنائز فقد ورد الخبر في فضل من صلى عليه أربعون وأنه يغفر له ومن صلى عليه ثلاثة صفوف، والخبر في فضل من مات له ولد وأن ذلك يكون سبباً في مغفرة ذنبه والشفاعة له.
وأما في الزكاة فقد ورد في القرآن {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ومن هنا سميت زكاة والتزكية والطهر من معانيها مغفرة الذنوب.
وأما في الصيام فقد ورد أن من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وورد الخبر في فضل عرفة وعاشوراء، وورد الخبر في فضل قيام رمضان وليلة القدر، بل ورد الفضل العام بفتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النيران.
وأما في الحج فقد ورد في فضل الحج أن الحاج يرجع كيوم ولدته أمه، وورد أن من العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما.
وأما في باب الجهاد فقد وردت الأخبار الكثيرة في فضل الشهادة والشهيد وما يكفر من ذنوبه، وورد الخبر في أن الله يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر وكلاهما يدخل الجنة أحدهما قتل في سبيل الله والآخر هو الكافر الذي قتله ثم هذا الكافر أسلم واستشهد، والعفو عن الكافر الذي أسلم من قبل أن نقدر عليه ولو قتل منا من قتل من أعظم مظاهر العفو والرحمة، وقصة وحشي معروفة.
وأما في باب النكاح فقد ورد في القرآن {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون} وهذا معناه أن الأزواج يكونون في نفس المنزلة في الجنة ولا يخلو المقام من أن يكون أحدهما أتقى من الآخر فيرفع له صاحبه لتقر عينه به، وهذا بمعنى مغفرة الذنوب وكذلك إلحاق الذرية بالآباء، وما ورد من انقطاع الأعمال إلا ولد صالح يستغفر له (وأدخل في هذا الباب كل ما له علاقة بصلة الأرحام ومن ذلك أمر المواريث)، وورد الخبر أن من عال أربع بنات كن له ستراً من النار (استدل به الشافعي على استحباب النكاح فالبنات لا يأتين إلا بنكاح).
وحتى في أمر المهر جاء التذكير بالعفو (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح).
وأما في باب البيوع فقد ورد الخبر في فضل إنظار المعسر وأن من تجاوز عنه تجاوز الله عنه، وأن من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة (يعني غفر الله) وورد الخبر «رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى» وهذا معناه وقوع المغفرة بذلك، وفي باب قضاء الدين ورد «من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وقد يكون باب الحوالة من أبواب تفريج الكرب وكذلك الكفالة والضمان.
وأما في باب القصاص و الديات فالعفو مظنة عفو الله عز وجل.
وأما الحدود فهي كفارات لأهل الإيمان، وباب الاستتابة واضح فيه ذكر التوبة وتوسيع بابها (وإن احتسب القضاة والشهود في ذلك رجي لهم).
هذا غير الوارد في أن الأمراض والمصائب من كفارات، هذا غير الاستغفار وفضائل الأذكار، وكل هذا باب والتوبة باب آخر تماماً.
فمن أفلس من كل هذه الفضائل فلا يلومن إلا نفسه، وما وضع رب العالمين كل هذه الكفارات إلا وأراد الغفور الرحيم أن يغفر لعباده، حتى أنه بعد كل هذا يتقرب ملائكته له بالاستغفار للمؤمنين، فبعد هذا كيف يقول إنسان (أنه لا يشاهد الرحمة)، ونحن في شهر الخير عسى الله عز وجل أن تدركنا مغفرة نسعد بها سعادة لا بؤس بعدها، وقد قيل (السلامة لا يعدلها شيء) والمغفور له سالم.
والفقيه الصالح حاله محل غبطة إذ يحث الناس على كل هذا على بصيرة.