كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

القرآن خرج من الله..

المصدر
القرآن خرج من الله.. لو قلت لك أنا أؤمن بأن القرآن (خرج من الله) فلأي المذاهب المشهورة في صفة الكلام ستنسبني مبدئياً؟ لا شك أن كلامي هذا لا يشبه كلام الجهمية الذين يعتقدون أن الله خلق القرآن في المخلوقات. ولا يشبه كلام الذين يقولون القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، فالقرآن عندهم مبدئياً خرج من جبريل أو الحاكي أيا كان. ولا يشبه أيضاً كلام السالمية القائلين بقدم الحروف والأصوات، فكلمة (خرج) واضحة في إرادة معنى الفعل الاختياري الذي وجد في زمن معين بعد أن لم يكن، وهذا ما يسميه أهل الكلام حدوثاً. فإذا كان كلامي قد جاء أثناء الرد على الجهمية أو الواقفة واستدلالاً عليهم بأن الله عز وجل كلامه غير مخلوق فواضح جداً مذهبي. قال الخلال في السنة: "1909- أخبرنا أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي؛ قال: أمرني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل أن أكتب إلى رجل بلغه عنه الشك؛ قال: وكتبت ما يقوله وبينت ما جرى فيه. 1910- وأخبرنا؛ قال: أمرني أبو عبد الله أن أكتب إلى محمد بن حمدون الأنطاكي مواعظ في بعض الكتاب." هذا كتاب كتبه المروذي بأمر من أحمد لرجل وقف في القرآن وشك هل هو كلام الله غير مخلوق أم لا، فكان مما أورد المروذي عليه: "ولقد أخبرني شيخ أنه سمع ابن عيينة يقول: القرآن خرج من الله". أقول: ولو كان معنى (خرج من الله) أن الله علمه لخلقه أو علمه بدأ من الله كما يتأول متأخري الجهمية فلا فائدة من إيراد هذا الأثر في الرد على الواقفة، والاستدلال على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال الخلال: "وسمعت عبد الله بن أحمد قال: ذكر أبو بكر الأعين قال: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: القرآن كلام الله، منه خرج وإليه يعود، فقال أحمد: منه خرج هو المتكلم به، وإليه يعود." "السنة" للخلال 2/ 226 (1859). وهذا إسناد صحيح عن أحمد، فانظر إلى تفسيره (منه خرج) بأنه هو المتكلم به، وفي مناظرته على القرآن استدل بحديث (إنكم لن تتقربوا إلى الله بأحب إليه مما خرج منه). قال أبو يعلى في إبطال التأويلات معلقاً على كلام أحمد: "فقد فسر قوله: (منه خرج) على إنه صفة من صفات ذاته، مبتدي به". ركز على كلمة (مبتدي به) يعني له بداية. وقال عبد الله بن أحمد في السنة: "153- حدثني أحمد بن إبراهيم، حدثني يحيى بن معين، حدثني رجل من ولد ميمون بن مهران يقال له جعفر قال: سمعت وكيعا، يقول: «القرآن من الله عز وجل منه خرج وإليه يعود». وقال الخلال في السنة: "2075- أخبرني حرب، قال: ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونهم يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود". وهذا الخبر نصّ الذهبي على أنه تواتر عن سفيان بن عيينة. قال أبو طالب المكي في قوت القلوب: "وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين سمع قرآن مسيلمة الكذاب الذي افتعله وتخرصه يضاهي به كلام الله تعالى، والله ما خرج هذا من آل ولا من تقي، قال أبو عبيدة: يعني ما خرج من الله تعالى، قال: وفيه دليل أنّ القرآن غير مخلوق، وأنه خرج من الله تعالى تكلم به". تأمل استدلاله بلفظ (خرج من) على إثبات أن الله يتكلم كلاماً قائماً بذاته متعلقاً بمشيئته خلافاً للجهمية. وقال ابن بطة في الإبانة: "وقال أبو بكر رضي الله عنه: يا بني حنيفة، أين ذهب بكم؟ هل خرج هذا من إل؟ قال أبو عمر: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: وهذا أحد الأدلاء على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأن ما خرج من ذات الله لا يكون مخلوقا". ولما كانت هذه الآثار مخالفة بشكل واضح لعقيدة الكلابية الذين ينفون الصفات الفعلية تجد أنهم تأولوها بتأويلات بعيدة مخالفة للظاهر ولكلام أحمد. قال القرطبي في التذكار: "بيان ما أشكل من قوله عليه السلام منه خرج وإليه يعود. قال البيهقي: قوله منه خرج. فمعناه منه سمع وبتعليمه تعلم وبتفهيمه فهم". ففسر الخبر على ما يخلقه الله في عباده ولو كان هذا التفسير صحيحاً لما عارض الجهمية ذلك، ولما كان في احتجاجنا بالخبر على الجهمية وجه. وقال ابن فورك في مشكل الحديث: "والوجه الثاني من معنى الخروج كقولك خرج لنا من كلامك خير كثير وأتانا منه نفع مبين إذا أراد أنه ظهر لهم منه منافع فأما الخروج الذي بمعنى الإنتقال فلا يصح على كلام الله سبحانه ولا على شيء من الكلام لأجل أنه ليس بجسم ولا جوهر وإنما يجوز الإنتقال على الجواهر والأجسام. فأما على الوجه الثاني فيصح والمعنى فيه أنه مَطا أنزل الله على نبيه وأفهم عباده. وقد قال قائلون إن الهاء في قوله خرج منه يعود إلى العبد وخروجه منه وجوده متلوا على لسانه محفوظا في صدره مكتوبا بيده". = = فلاحظ اعتبارهم ظاهر الخبر مشكلاً، وذلك أنه يخالف عقيدتهم ثم تفسيرهم للخبر بأن الهاء تعود للعبد، وواضح أن الهاء عائدة على الله، وتفسير الخروج بأنه بمعنى خرج لنا من كلامك فوائد كثيرة، ولا يخفى ما فيه من عسف، فالسياق واضح في ابتداء القرآن، فلاحظ أنهم لا يفسرون تفسير أهل العلم لمناقضة الخبر لكلامهم وذهابهم للتعسفات الشديدة، وعلى كل تفسيراتهم تبطل احتجاج السلف على الجهمية بالخبر، فهذه المعاني لا ينازع فيها الجهمية. وكان الطبري من دون بقية المفسرين يتسمح بلفظة (خرج من الله). وقال الدارمي في الرد على المريسي: "وأما قول: من زعم أنه خرج من جسم فهو كافر، فليس يقال كذلك، ولا أراك سمعت أحدا يتفوه به كما ادعيت، غير أنا لا نشك أنه خرج من الله تبارك وتعالى دون من سواه". فتأمل قول الجهمي (من زعم أنه خرج من جسم فهو كافر) يريد أنه فعل اختياري يلزم منه الحدوث على أصله، ورد عليه الدارمي بأننا لا نشك بأنه خرج من الله. وتكلم الدارمي على افتراء الجهمي على أهل الحديث أنهم يقولون بأن القرآن هو الله، وقد تكلم ابن تيمية في التسعينية على غلط ابن الثلجي الكذاب على أهل الحديث في هذا فليراجع فبابنا هنا الاختصار. ولفظة (منه خرج) كانت تقال أيضاً في سياق الرد على الكلابية، روى الضياء المقدسي بسند قوي في كتابه اختصاص القرآن عن أحمد بن سنان شيخ البخاري ومسلم أنه قال: "من زعم أن القرآن شيئين أو أن القرآن حكاية فهو والله الذي لا إله إلا هو زنديق كافر بالله، هذا القرآن هو القرآن الذي أنزله الله على لسان جبريل على محمد لا يغير ولا يبدل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد كما قال الله عز وجل {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} الإسراء 88، ولو أن رجلا حلف أن لا يتكلم اليوم ثم قرأ القرآن أو صلى وقرأ القرآن أو سلم في الصلاة لم يحنث لا يقاس بكلام الله شيء، القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود ليس من الله تعالى شيء مخلوق ولا صفاته ولا أسماؤه ولا علمه". فسياق الكلام كله في الرد على الكلابية ولاحظ أنه يذكر (منه خرج) وهذا يفسر لنا استشكال الكلابية لهذا الأثر عن السلف ومحاولتهم تأويله بالعسف، وإذا كانت الآثار التي يستدل بها على الجهمية يعتبرها الكلابية مشكلة فهذا يؤكد قول أحمد في اللفظية أنهم جهمية في الحقيقة، ويؤكد ما يذكره ابن تيمية أن أصولهم واحدة والنتيجة واحدة، وما قاله عدد من نظار الأشعرية أن الخلاف بينهم وبين المعتزلة في القرآن لفظي، ودلالة هذه الآثار على إثبات الأفعال الاختيارية قوية جداً.