كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

علي جمعة ليس ساذجًا ”لماذا يبدو الشاطبي مخيفا؟“

المصدر
علي جمعة ليس ساذجًا ”لماذا يبدو الشاطبي مخيفا؟“ تداول كثيرون كلام علي جمعة في الشاطبي واتنقاصه الظاهر له وزعمه أنه مجرد صحفي مثل الصحفيين الذين في زماننا(أي لا يملكون الانضباط الفكري)، فهاجمه كثيرون وحاول بعضهم أن يدافع عنه بأن يأتي بكلام لخصوم علي جمعة (السلفية المعاصرة) في عقيدة الشاطبي إذ أنه كان أشعريا أو متأثرا بهم جدا، وحاول عدة تحليل موقفه، غير أن أقربهم تحليلا عندي من قال أن ذلك بسبب كلام الشاطبي في البدعة! معلوم أن علي جمعة صوفي أشعري وهو يدعم الكثير من البدع العملية مثل الرقص في المساجد والغناء فيها والموالد وغيرها شأنه شأن غالب الأشعرية في زماننا، كما أنه سائر على المستقر عند متأخري الأشعرية في أن الأشاعرة والماتردية فرقة واحدة وهم يمثلون أهل السنة والفرقة الناجية والطائفة المنصورة. وبناء على تقريرات الشاطبي في الاعتصام والموافقات دعاة البدع العملية أمثال علي جمعة يعتبرون خارج دائرة أهل السنة وكذلك هو يعتبر الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح العقليين (التي حصل فيها تنازع بين جمهور الأشاعرة والماتردية) خلافا أصليا يبنى عليه التبديع ولا يمكن احتماله. كتب الشاطبي ”الاعتصام“، ليبين أن كل بدعة في الدين ضلالة ولا وجود للبدعة الحسنة وما اكتفى بذلك حتى توسع وبدأ يناقش متى تعتبر الفرقة هالكة أو داخلة في الثنتين والسبعين فرقة. قال الشاطبي في الاعتصام (2/ 543): «والثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن، وبدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله. وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع، بل ستجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية». أقول: معلوم أن أهل السنة يخالفون الأشاعرة في هذه المسألة غير أن الماتردية أيضا يخالفونهم ويدخلون في ذم الشاطبي هذا. وقال الشاطبي في الموافقات (5/145_150): «وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية؛ إذ لم يخص الكتاب ذلك ولا السنة، بل ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" وفي الترمذي تفسير هذا بإسناد غريب عن غير أبي هريرة، فقال في حديثه: "وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". والذي عليه النبي وأصحابه ظاهر في الأصول الاعتقادية والعملية على الجملة، لم يخص من ذلك شيء دون شيء. وفي أبي داود: "وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون، في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" وهي بمعنى الرواية التي قبلها. وقد روي ما يبين هذا المعنى، ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه، وإن كان غيره قد هون الأمر فيه، أنه قال: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال" فهذا نص على دخول الأصول العملية تحت قوله: "ما أنا عليه وأصحابي"، وهو ظاهر؛ فإن المخالف في أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية». أقول: الشاطبي هنا يقرر أن الفرقة لا تصير هالكة بالمخالفة العقدية فحسب (يعني مسائل الصفات والإيمان والقدر) بل في الأصول العملية أيضا ويعني بالأصل العملي الاتباع وعدم التعبد بالبدع العملية كالرقص في المساجد والموالد أو الإفتاء بتحليل الحرام أو تحريم الحلال. وهذا هو تقرير ابن تيمية قبل الشاطبي حيث يقول الشيخ كما في مجموع الفتاوى (18/ 346): «عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم {من انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا وأمنه يوم الفزع الأكبر} ؟. فأجاب: أما قوله: {من انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا} وقوله: {من وقر صاحب بدعة أعان على هدم الإسلام} ونحو ذلك فهذا الكلام معروف عن الفضيل بن عياض. والبدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات. كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة والله أعلم». وأيضاً تكلم في بيان الدليل على بطلان التحليل في وجه دخول الذين يفتون بالحيل في الفرق الهالكة ولماذا اشتد عليهم السلف أكثر من شدتهم على الخوارج والمرجئة والقدرية؟ =