كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= النقطة الثالثة: اليوم بلاء الناس من انتشار أفكار الحداثة وما بعد الحداثة والتي تقضي بنسبية الحقيقة والتساهل مع الزنادقة يرسخ هذا المبدأ، فالناس يرون أن المخالف للمعلوم من الدين بالاضطرار مرحوم معذور، فيرون كل مخالفة دون ذلك هينة، وهذا يفسد في أديان الناس أشد مما يفسد كلام أهل الشبهات أو أهل الغلو. فيكون الإنسان متديناً ولكنه لا يرى لنفسه فضيلة على غيره بهذا الدين، ولا شيء يثبط الدعوة وإنكار المنكر مثل هذا. قال أبو داود في مسائله: "حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، قال حدثني أبي، قال قال إبراهيم بن طهمان، حدثنا من لا يتهم غير واحد أن جهماً رجع عن قوله ونزع عنه وتاب إلى الله ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه، ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه العظيم". ابن طهمان بلغه توبة جهم ومع ذلك أظهر الدعاء عليه لئلا يتساهل الناس في ركوب الضلالات الكبرى وإفشائها من العامة ثم يتوب بينه وبين نفسه! ومثل هذا غير مجزيء عند عدد من أهل العلم استدلالاً بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم}[البقرة]. وقالوا من أخطأ في العلن يتوب في العلن. وموت رؤوس الضلال كان عند السلف مقام موعظة وتحذير من أن يموت الإنسان على ضلال، لا مقام مجاملات على حساب الدين، يسميها بعضهم مروءة، وهي مثاليات كانطية فارغة، فالصحابة أثنوا على جنازة سوءاً وهم أورع الخلق بعد الانبياء. قال العقيلي في الضعفاء: " 3365- حدثنا حاتم بن منصور الشاشي, قال: حدثنا الحميدي، قال: سمعت مؤمل بن إسماعيل يقول: إن سفيان الثوري لم يصل على ابن أبي رواد, فقيل له, فقال: والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكني أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة". فهذا في مبتدع فكيف بزنديق؛ والمراد حماية الناس من الضلال وترهيبهم منه، وهذه رحمة، وإن رآها بعض الناس شدة، فالشدة تأتي مع الرحمة ألا ترى إلى الحدود وقول الله عز وجل {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}[النور] وإنما فعل ذلك للردع، فالشريعة حثت على الستر ولكن إذا بلغ الأمر إلى الحد كان إشهار العقوبة هو طريق الستر، لأن بهم يرتدع الناس فيستتروا. ومن يترحم على الزنديق أو المشكوك في زندقته، أو يظهر الثناء على المبتدع الداعية بما يغر الناس بعد وفاته بمنزلة من يرى إنساناً داعراً فاحشاً مجاهراً ويخاطب الناس بالستر عليه وفي الواقع أنه هو ما ستر نفسه، ولو ترك لهتكت ستور كثيرة، وكذلك الزنديق هو ما رحم نفسه ولو ترك لكان سبباً في وقوع اللعنة على غيره!