يعدُّونه شبهة وهو برهان من براهين النبوة.
يعدُّونه شبهة وهو برهان من براهين النبوة.
كثيرًا ما يسخر الملاحدة -ومَن يقلدهم مِن المتهتكين- من الأحكام التفصيلية، مثل أحكام دخول الخلاء، حتى يسخر بعضهم ويقول: القوم مشغولون هل يدخلون الخلاء بالرجل اليمنى أو اليسرى؟
كثيرًا ما تتكرَّر مثل هذه التهكُّمات، وبعضهم يطرحها شبهة فيقول: (هل خالق السماوات والأرض يهتم بهذه الأمور الصغيرة)، وهذا الاعتراض فاسد، فهو يشبِّه رب العالمين بالإنسان الذي إن اهتم بشيء غفل عن آخر، لذا يركز على الأمور الهامة فحسب، ورب العالمين -مع التحفظ على لفظ الاهتمام- لا يشغله شأن عن شأن وهو بكل شيء عليم.
غير أن الأحكام الجزئية اليسيرة لها دلالة عظيمة على أمر البعث وعلاقته بمبحث الأسماء والصفات.
تأمل معي قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يَعزُبُ عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [سبإ]
تأمَّل كيف جاء ذكر صفة العلم والتنبيه على علم الله عز وجل بكل شيء دقَّ أو جلَّ بعد ذكر كلام الكفار في إنكار البعث، فما المناسبة؟
الجواب -والله أعلم- أن صفة العلم فيها تنبيه على أن الله عز وجل يعلم ما تنقص الأرض من الكفار ويأتي به سبحانه (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم).
فإنكار البعث مبني على إنكار علم الله بالأشياء وقدرته وصفة الحكمة (وأما الفلاسفة الذين أنكروا بعث الأجساد فحسب فذلك مبني على إنكار الأفعال الاختيارية لله).
ثم إن من غريزة البشر الإيمان بأن الله عز وجل عادلٌ تمام العدل، وعدله الكامل يستلزم علمه الكامل، فنحن نرى قضاة البشر ينقص عدلهم بحسب نقصهم في العلم.
فجاء التنبيه على أن الله عز وجل يعلم بكل شيء وإن دق، وهذا معناه أنه سيحاسِب الناس على كل شيء وإن دق، وهذا هو العدل التام. وفي هذا الحجة التامة على الربوبيين وعبَّاد الأوثان ممن يؤمنون بالخالق وينكرون البعث، فالإله الذي يؤمنون به عدله ليس تامًّا.
ومظهر هذا الأمر في التشريعات أننا نفعل أشياءَ صغيرة مستدقة في النظر ونرجو الثواب من الله، مستحضرين بذلك أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، ولو لم يكن من هذه الأحكام التفصيلية إلا هذا الدرس لكفى، فكيف والأمر فيه منافع عظيمة أخرى.