كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وفِي جامع الترمذي: وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأوَّلت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة. أقول: وهذا عين مقالة الجهمية في زماننا، والعجيب أنهم يفخرون بأسانيدهم والإسناد مشهور بين أهل الحديث، وأشهر كتب الحديث الستة، وفِي مضامين هذه الكتب الشهادة عليهم بأنهم جهمية! وقام أحد مشاهيرهم بإخراج فيديو يتكلم فيه عن مسألة العلو، وعَنْوَنَ له بقوله "هل الله يحتاج إلى مكان"، وهذه تشبه طريقة الملاحدة إذ يذكرون كمال الله في معرض الانتقاص ودعوى أنه حاجة، فيقولون مثلًا: هل الله بحاجة إلى الخلق؟ وكشفُ المغالطة بأن يقال لهم: أيهما أكمل أن يكون قادرًا على الخلق أم ليس قادرًا؟ لا شك أن الأكمل كونه قادرًا على الخلق، وبالتالي كماله لا يسمى (حاجة)، هذه مغالطة كأن تقول هل يحتاج لعلمه أو قدرته، وهما منه وليسا كيانًا مستقلًّا حتى تقول يحتاج! وكذلك في أمر العبادة إذا قال: هل الله يحتاج للعبادة، فيقال: هل الأكمل أن يكون له حقوق على عباده أم ليس له حقوق؟ لا شك أن يكون له حقوق، فلولا وجود حقوقٍ له لا وجود لصفة العفو والمغفرة والرحمة، فكلها فرع عن وجود حقوق له ولا قدرة على التعذيب، فهذا كله من كماله، والمخلوق مفتقر للخالق أبدًا. والأمر نفسه في أمر المكان فالله عز وجل له وجود حقيقي وليس وجوده ذهنيًّا فقط كما يعتقد هؤلاء الجهمية، لذا سنراه يوم القيامة (نسأل الله ذلك)، والموجودات إما متداخلة وإما منفصلة والمنفصلة إما فوق بعضها وإما تحت بعضها، وجهة العلو أشرف شيء وهذا ما دلت عليه النصوص، ففوقيته وعلوه هي صفته وكماله، ولا يقال (يحتاج إلى كماله) هذه سفسطة الملاحدة التي يتنزَّه عنها حتى عقلاؤهم (ولا عاقل فيهم لكن الأمر نسبي)، ولا تستغرب من كونهم يوردون على النصوص إيرادات من جنس كلام الملاحدة، فقد حذر السلف من فتنتهم كثيرًا، وآخر كتاب في صحيح البخاري (كتاب التوحيد) مخصَّص للرد عليهم، وكذلك كتاب السنة من سَنَن أبي دَاوُدَ، والنسائي له كتاب النعوت ضمن السنن الكبرى، وفِي مقدمة سَنَن ابن ماجه باب فيما أنكرت الجهمية، واليوم يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة تلبيسًا على الخلق. وأيضا من أراد فهم الأمر على تمامه فلينظر في كتاب رد الدارمي على المريسي وكتاب خلق أفعال العباد للإمام البخاري (وقد كان الأشاعرة في أيام دولتهم يمنعون من قراءة هذه الكتب على الملأ).