=
=
ومن الناس من يبهره نظم القرآن وسلاسته، وما فيه من بيِّنات عقلية في إثبات النبوات والإلهيات والمعاد والقصص ذوات العبر، والحث على عموم الفضائل مع الوعد والوعيد والكلام عن العالم الغيبي، مع الأحكام بسلاسة تامة وعجز العرب عن الإتيان بمثله.
ويعدُّون ذلك في أعلى دلائل النبوة.
ومنهم من يبهره أمر العبادة التي فيها مشقة والحث على مكارم الأخلاق، مع التزامه بكل هذا قبل كل أحد، مما جمع قلوب أصحابه عليه، وهذا ما أشار إليه ابن قتيبة.
ومنهم من يتكلم عن الإخبار بالمغيَّبات، فمن ذلك ما في القرآن مثل: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} وهذا شاهَده الصحابة، ومنه ما ظهر في أواسط الزمان كقتال المسلمين للتتر ذوي نعال الشعر كأن وجوههم المجان المطرَّقة، ومنه ما رأيناه في زماننا هذا خاصة مثل خبر: «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» وخبر «تداعى عليكم الأمم» وغيرها كثير.
ومنهم من هو أبعد غوراً، فيتعجب من واقعية الشريعة مع حثها على الفضيلة واتِّزانها، فلا تراها منحازة لفريق دون فريق، وعادةُ الأفكار البشرية أن تكون متأثرة بنزعات مؤسسيها، غير أن هذا وحي.
وتعظيم حق الله عز وجل فوق كل حق، ونقض القرآن لباطل كل مبطل، حتى قبل أن يظهر هؤلاء المبطلون (وهذا يعلمه المشتغلون بدراسة العقيدة).
غير أن الأمر العجيب الذي سجله ابن قتيبة أنه عدَّ علم الحديث في دلائل النبوة حين قال: "وليس لأمة من الأمم إسناد كإسنادهم رجل عن رجل وثقة عن ثقة عن ثقة حتى يبلغ بذلك رسول الله ﷺ وصحابته يبيِّن الصحيح والسقيم والمنقطع والسليم".
وأهل الحديث من دلائل النبوة في أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة والمؤيَّدون بالحجج، ومن دلائل النبوة في أنهم باب كرامة الله عز وجل لنبيه، إذ لم تُدرس أحوال رجل في التاريخ بالدقة التي دُرست أحواله، حتى يعرف كل رجل من أهل الإسلام ممن عاين شيئاً من العلم من أحواله أموراً لا يعرفها عن أجداده الأقربين.