وكم من رجل اليوم كإبراهيم بن رستم؟
وكم من رجل اليوم كإبراهيم بن رستم؟
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(8/ 355): سَمعتُ أبي يقول: سمعت مقاتل بن مُحَمد يقول: قدم إِبراهيم بن رستم الري، فأتيته وكان عَنده عَن الحُسين بن واقد، وأبي حَمزَة السُّكَّري، فدخلت عليه وهو مستلقي وفي يده كتاب، فقال: رأَيت مسأَلة حسناء عجبت به، قلت: ما هي؟ قال: قال مُحَمد بن الحسن في المَرأَة يخرج من قبلها الريح، أَن عليها الوضوء، قال مقاتل: فقلت: هذا قد قاله مُحَمد النَّبي صَلى الله عَليه وسَلم؛ لا ينصرفن حَتى يسمع صوتا، أَو يجد ريحا، فقد أمر بالوضوء من الريح من القبل والدبر، لأَنه إِذا وجد الريح من قبل كان أَو دبر، فقد وجد الريح وعليه الوضوء، قال: فبقى.
أقول: إبراهيم بن رستم رجل من أهل الرأي وكان أهل الرأي يكثر فيهم قلة الاعتناء بالسنة وإنما يهتمون بتوليد الفروع وربما فرعوا فروعاً بعيدة الوقوع.
وكانوا إذا جاءهم رجل من أهل الحديث وحثهم على تعلم الحديث ألقوا إليه بعض هذه الفروع ليكسروه نفسياً ويبينوا له أن الحديث الذي يطلبه إنما يقوم بجزء من العلم فحسب وهذا الجزء ليس بذاك الكبير وإنما العلم الكامل فهو في تفريعاتهم وآراءهم، فكان حذاق المحدثين الكبار إذا جاءهم رجل من أهل الرأي بمعضلة من معضلاته يستخرجها له من السنة وهنا يسقط في يده صاحب الرأي.
وقد تكلم ابن تيمية على هذا المعنى في الاستقامة ونبه على أن معظم ما يحتاج إليه الناس موجود في السنن الثابتة والآثار المروية عن السلف وأن أهل الرأي مع دعم الدولة لهم من أقل الناس نفعاً في الفتيا.
واشتد على أبي المعالي الجويني في دعواه أن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة فقال كما في الفتاوى الكبرى: ”هذا القول قاله طائفة من أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وغيره، وهو خطأ، بل الصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد. ومنهم من يقول إنها وافية بجميع ذلك وإنما أنكر ذلك من أنكره؛ لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد، وذلك أن الله بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعا كثيرة وتلك الأنواع تتناول أعيانا لا تحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد“.
وله نقد كثير على هذه الكلمة، غير أن الذي أريد أن أقوله قد ظهر في زماننا ما هو أشد من حال إبراهيم بن رستم فتجد الناس يتطلبون الإفادة من كلام المفكرين والفلاسفة الغربيين والشرقيين ثم الفائدة نفسها حاضرة في النصوص الشرعية بأوجز لفظ فتجده لا يطرب إن ذكرت من آية أو حديث أو أثر سلفي وإنما يعجبه أن يجدها في كلام فيلسوف أو متكلم أو عالم متأخر مؤلفاته بالمجلدات حتى يظهر أنه تعب في الفائدة.
فعلى سبيل المثال لو جئته بكلام لنيتشه في ذم المبالغة في التسامح وأنه لا ينبغي أن تتسامح مع أناس إن تمكنوا بطشوا بك فإنه يطرب لمثل هذا ويراه حكمة عميقة.
غير أن هذه الحكمة جاءت على أكمل ما يكون دون إفراط ولا تفريط في كلام الله عز وجل حيث يقول تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير}.
وكم من طالب علم نشأ على متون المتأخرين فرأى دقائق المسائل فظنها من نظرهم ولو رجع إلى كتب المتقدمين لوجد الصحابة والتابعين تكلموا في المسألة..
وكم من إشكال نظنه من إحداثات المتأخرين فنجد في كلام السلف حله وكم من موعظة بليغة سمعناها تنسب للمتأخر وإذا هي كلام متقدم.
ولا زلت أذكر أنني كنت أسمع بعض الخطباء ينسب لبعض الأئمة موعظة يقول فيها: ”كيف يستكبر ابن آدم وقد خرج من موضع البول مرتين.“ ثم اكتشفت بعد زمن أن هذه الكلمة مروية عن أبي بكر الصديق بسند صحيح!
فحال إبراهيم بن رستم حين قرأ مسألة فظنها من معضلات الشيباني فإذا هي مسألة محسومة بحديث معروف مشهور عند المحدثين، حال يتكرر اليوم كثيراً حتى أنك لتجده عند عدد من المشار إليهم بالعلم والفضل فضلاً عن العامة، وكل هذا بسبب البعد عن كتب المتقدمين استجهالاً لأهلها أو استعظاماً للمتأخر أو ظنا أن كتبهم مستغلقة لا تفهم وليس الأمر كذلك.
وتجد المرء يتحدث عن المداخل إلى كتب ابن تيمية فيخطر عليه ما شاء الله من كتب الكلام والفلسفة وينسى القوم الذين قضى ابن تيمية حياته يدعو إلى مذهبهم وينصر أقوالهم ويشرحها وهم أهل الحديث !
فإذا كان عدم نظرك في كلام الفلاسفة والمتكلمين يجعلك لا تفهم كلام الشيخ على وجهه فمن باب أولى عدم نظرك في كلام أهل الحديث المتقدمين في عموم مؤلفاتهم في العقيدة والفقه والتفسير والرقاق والتراجم وغيرها من الأبواب.