=
=
هذا المنشور فيه عدة نقاط هي محل تعقيب، وأعلم جيدًا أن كثيرًا من الناس يتضايقون من المناقشات العلمية خصوصًا في هذه الأيام، غير أن الأمر يتعلق بعبادة واجبة وبسبب السكوت والتقاعس فشت أطروحات ضعيفة وغرَّرت بالكثير من العوام.
النقطة الأولى: قوله إن الذين قالوا بإخراجها طعامًا قالوا بعدم الإنكار على من قال بإخراجها نقدًا لأنه لا إنكار في مسائل الخلاف هذا غير صحيح.
فمذهب مالك والشافعي وأحمد متكون من شطرين:
الشطر الأول: مشروعية إخراجها طعامًا وحددوا الأصناف والكم.
الشطر الثاني: أن إخراجها نقدًا غير مجزئ، ومعنى قولهم غير مجزئ أن من أخرجها نقدًا فلا زكاة له، وأنه لو جاءك عامي وسألك عن إخراجها نقدًا تفتيه بعدم الجواز ولو كان أخرجها نقدًا تفتيه بأن يعيد إخراجها طعامًا، ولا يخفى أن هذا إنكار.
ولا أعلم لهم كلامًا يقولون فيه باعتبار الخلاف، وهم يعرفون المخالفين ومع ذلك كلهم ينص على أنه (لا يجزئ إخراجها نقدًا).
وما يفعله عدد من المنتسبين لهذه المذاهب من القول بأن إخراجها نقدًا لا ينكر عليه هو تعطيل للشطر الثاني من مذاهبهم، بل هذا يجعلهم موافقين لمذهب الحنفية الذين يقولون بجواز إخراجها طعامًا أو نقدًا
النقطة الثانية: قاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف ليست مسلَّمة ولا هي محل اتفاق، بل التفريعات المذهبية تنقضها، ومعنا هنا مثال:
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: "والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة فيمن تزوج أمه وابنته أنه يدرأ عنه الحد بشبهة دراءة للحد، بل عند الإمام أحمد -رضي الله عنه- يقتل، وعند الشافعي ومالك يحد حد الزنا في هذا، مع أن القائلين بالمتعة والصرف معهم سنة وإن كانت منسوخة، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثر عن صاحب، ولا قياس صحيح".
وقد قال مالك والشافعي وأحمد بإقامة الحد على شارب النبيذ (ما يسكر كثيره دون قليله) الذي يجيزه الحنفية، وهذا من أعظم الإنكار في مسائل الخلاف، وقد نبَّه على هذا المعنى ابن مفلح في الآداب الشرعية.
قال في تحفة المحتاج: "ولا ينافيه قول الشافعي -رضي الله عنه- في شاربه الحنفي: أحده [يعني أقيم عليه الحد] وأقبل شهادته؛ لأن المعتمد في تعليله أن الحاكم يجب عليه رعاية اعتقاده دون المرفوع إليه وكفرش الحرير ستر الجدر به بل أولى".
نعم هناك مسائل اجتهادية لا إنكار فيها، وهناك مسائل خلافية فيها إنكار لظهور السنة فيها.
النقطة الثالثة: قال إن القائلين بجواز إخراجها نقدًا أو طعامًا لم ينكروا على القائلين بلزوم إخراجها طعامًا، ثم هو لا يقتدي بهم فيُنكر في منشوره على القائلين بلزوم إخراجها طعامًا!
وإن قصد أن القائلين بإخراجها نقدًا لم ينكروا على القائلين بإخراجها طعامًا فهذا قول لا معنى له، لأنهم هم أنفسهم قائلون بجواز إخراجها طعامًا فهل ينكرون على أنفسهم؟
النقطة الرابعة: ذكره لكلام من يسفِّه من الصورة الشرعية اتفاقًا وهي إخراجها طعامًا في مقام النقد سليم، وكثيرون لا يفرقون بين تجويز إخراجها نقدًا والسخرية من الصورة الشرعية أو الحديث عنها بشكل سلبي.
النقطة الخامسة: حديثه بالإنكار على من زعموا أن إخراجها نقدًا خلاف السنة، هذا في الحقيقة قول مالك والشافعي وأحمد لأنهم زعموا أن إخراجها نقدًا لا يجزئ وما كان ذلك إلا لكون الأمر يخالف السنة ولم يصح عندهم أن معتبرًا أخرجها نقدًا.
قال ابن قدامة في المغني: "وقال أبو طالب، قال لي أحمد لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون، عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة، قال يدعون قول رسول الله ﷺ ويقولون قال فلان، قال ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ وقال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] . وقال قوم يردون السنن: قال فلان، قال فلان. وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات. وبه قال مالك، والشافعي".
واليوم عُطِّل قول مالك والشافعي وأحمد عمليًّا لأنك إذا قلت لا يجزئ إخراجها نقدًا قالوا لك إنك لا تراعي الخلاف ولا بد ألا تنكر في مسائل الخلاف، فصار الناس كلهم حنفية عمليًّا.
فالمالكي أو الشافعي أو الحنبلي سيخرجها طعامًا وهذا لا ينكره الحنفي عليهم فهذا الشطر الأول من القول المتفق عليه معمول به، غير أن الشطر الثاني من القول الذي يقول إن مَن أخرجها نقدًا لم تجزئه هذا تم تعطيله.
وليس المراد تحرير المسألة من كل جوانبها، فقد كتب غيري وذلك مبسوط في كتب الفقه، وقد كتبت فيه قديمًا، غير أن المراد بيان أن التمذهب الصارم لا يجتمع مع التطبيق الموجود لدعوى عدم الإنكار في مسائل الخلاف وأن ذلك ينتهي إلى انصهار في مذاهب أخرى أو جمع بين نقيضين لا يجتمعان.