كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليس تطرفًا وإنما نكره لهم العنت

المصدر
ليس تطرفًا وإنما نكره لهم العنت قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة] قال الطبري في تفسيره: "(عزيز عليه ما عنتم)، أي: عزيز عليه عنتكم، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى = (حريص عليكم)، يقول: حريص على هدى ضُلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق". وقال أيضًا: "وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول ابن عباس. وذلك أن الله عم بالخبر عن نبي الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه، ولم يخصص أهل الإيمان به. فكان ﷺ كما جاء الخبر من الله به، عزيز عليه عنت جمعهم. * * * فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف ﷺ بأنه كان عزيزا عليه عنت جميعهم، وهو يقتل كفارهم، ويسبي ذراريهم، ويسلبهم أموالهم؟ قيل: إن إسلامهم، لو كانوا أسلموا، كان أحب إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه، حتى يستحقوا ذلك من الله. وإنما وصفه الله جل ثناؤه بأنه عزيز عليه عنتهم، لأنه كان عزيزا عليه أن يأتوا ما يعنتهم، وذلك أن يضلوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي". أقول: وصَف الله نبيَّه ﷺ أنه عزيز عليه عنت قومه أي أنه يكره لهم المشقة. فأورد الطبري إشكالًا أنه كيف يكون هذا وقد قاتلهم وسبى ذراريهم. وأجاب الطبري أن العنت هذا الذي لحقهم كان النبي ﷺ يكرهه ومن شدة كراهيته له كان يكره سببه وهو الكفر، فسعيه لزوال الكفر هو سعي لزوال سبب العنت. وهذا هو الخوف الشرعي على المشرك وكراهية الشر له الشرعية والتي تجتمع مع الرأفة والرحمة للمؤمنين. وأما اليوم فيرون الشدة على أهل الكفر أو التصريح لهم بأنهم كفار ومصيرهم النار من التطرف ومن كراهية الخير لهم، وليس كذلك. بل الذي يكره لهم الخير هو ذاك الذي يدعو للتعايش معهم مع تركهم على كفرهم. وقد يقال زيادةً على كلام الطبري إن الشدة على بعض أصناف المشركين رحمة بغيرهم من المشركين ممن سيعتبرون بهم، فالشرك لا يكون دائمًا لشبهة، فقد يكون لهوى، والهوى يُضعفه مثل هذا. ويقال أيضًا إن النبي ﷺ إن كان هناك مجال للبعد عن المشقة فإنه يحرص عليه غير أن مِن المشركين مَن لا حيلة فيه، وجهاد الطلب وعقوبات المستحقِّين مما يُعِين على زوال أسباب العنت.