كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال سزبريوشنكين في كتابه أسرار الفيزياء الفلكية والميثولوجيا القديمة ص69:" لقد ن

المصدر
قال سزبريوشنكين في كتابه أسرار الفيزياء الفلكية والميثولوجيا القديمة ص69:" لقد نجح الكهنة _ يعني كهنة البابليين _ في حل مسألة خط سير حركة القمر المعقدة التنويعات ، بإحدى عشر عملية حسابية فحصلوا نتيجة ذلك على أزمنة بين نقاط اتصال القمر ونقاط تضاده التي تلي واحدتها الأخرى ، كما حصلوا في الوقت عينه على تاريخ القمر الجديد ووقت انتصافه وبعد أن حصلوا على هذه المعطيات أجروا مقارنة بينها وبين قواعد تحديد عرض القمر الذي يتبدل بانسجام وصورة كيفية ويتمثل في صورة خط متعرج حاد الزاوية عندما يصبح في وقت انتصاف القمر أو في وقت ولادته على مقربة من ثلم السماء وقد مكنهم هذا كله من حساب وقت كسوف الشمس وكسوف القمر بدقة تراوحت بين الساعة الواحدة وربع الساعة لقد قادتهم جهودهم التي بذلوها لتحديد لحظة ولادة القمر الجديد وظهور الهلال بهدف تعيين بداية الشهر إلى حل مسألة تكهن حدوث واحدة من أكثر الظاهرات السماوية رعباً للناس " أولاً: هؤلاء رجال دين ووثنيون ومع ذلك حققوا هذا الإنجاز الكبير حتى قبيل ميلاد المسيح وما صدهم ذلك عن دينهم لأنه لا تعارض عندهم بين معرفة كيفيات الأشياء وبين الحكم من وجودها وضرورة وجود خالق لها وجعل إدراك الكيفية مغنياً عن الخالق وعن الحكمة من أصل الوجود وأصل الكيفية هو من الترهات التي انفردت بها الفلسفة الغربية العلموية _ والتي ثبت لي بعد طول قراءة أنها محكومة بشهوانيات وعقد نفسية لا علاقة لها بالعلم والمنطق _ ثانياً : الدقة في تحديد وقت الكسوف دائماً يتم إظهاره لنا على أنه من مفاريد هذا العصر وهذا غير واقعي بل الأمر معروف ومشهور حتى في زمن ابن تيمية قال ابن تيمية في الرد على المنطقيين :" وهؤلاء عندهم أمور معلومة من الحسابيات مثل وقت الكسوف والخسوف ومثل كرية الأفلاك ووجود السحاب من البخاري ونحو ذلك من الأمور الطبيعية والرياضية فيحتجون بها على من يظن أنه من أهل الشرع فيسرع ذلك المنتسب إلى الشرع برد ما يقولونه بجهله فيكون رد ما قالوه من الحق سببا لتنفيرهم عما جاء به الرسول من الحق بسبب مناظرة هذا الجاهل. والله تعالى أمرنا أن لا نكذب ولا نكذب بحق وإنما مدح سبحانه من يصدق فيتكلم بعلم ويصدق ما يقال له من الحق قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ} : {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وهاتان صفتان لنوع واحد وهو من يجيء بالصدق ويصدق بالحق إذا جاءه فهذا هو المحمود عند الله وأما من كذب أو كذب بما جاءه من الحق فذلك مذموم عند الله تعالى. وكذلك قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تقل ما ليس لك به علم {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}" وقال أيضاً كما في الفتاوى :" كَمَا يُعْرَفُ وَقْتُ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ فَإِنَّ الشَّمْسَ لَا تَكْسِفُ فِي سُنَّةِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَ لَهَا إلَّا عِنْدَ الِاسْتِسْرَارِ إذَا وَقَعَ الْقَمَرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبْصَارِ النَّاسِ عَلَى مُحَاذَاةٍ مَضْبُوطَةٍ وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ لَا يَخْسِفُ إلَّا فِي لَيَالِي الْإِبْدَارِ عَلَى مُحَاذَاةٍ مَضْبُوطَةٍ لِتَحَوُّلِ الْأَرْضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ فَمَعْرِفَةُ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ لِمَنْ صَحَّ حِسَابُهُ مِثْلُ مَعْرِفَةِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّ لَيْلَةَ الْحَادِيَ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ الشَّهْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَطْلُعَ الْهِلَالُ وَإِنَّمَا يَقَعُ الشَّكُّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ. فَنَقُولُ الْحَاسِبُ غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ إذَا صَحَّ حِسَابُهُ أَنْ يَعْرِفَ مَثَلًا أَنَّ الْقُرْصَيْنِ اجْتَمَعَا فِي السَّاعَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَأَنَّهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَكُونُ قَدْ فَارَقَهَا الْقَمَرُ إمَّا بِعَشْرِ دَرَجَاتٍ مَثَلًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَالدَّرَجَةُ هِيَ جُزْءٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا مِنْ الْفَلَكِ" ولا ينافي هذا كونه تخويفاً فإن فيه آية مفادها أن الله قادر على أن يغير سننه بما يفني به الخلق أو يضرهم وفيه دلالة على نقص القمر وعدم استحقاقه للعبادة فالذين عبدوه جعلوا علة عبادته الإنارة وهذه علة زائلة كما في الشمس وهذا ما لم يتنبه له الكهنة القدامى وأشار ابن تيمية رحمه الله إلى نفس الإشكالية التي يثيرها البعض اليوم، وهو كيف يمكن أن يكون الخسوف تخويفاً وهو معروف مسبقاً؟ حيث يقول ابن تيمية: (فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سببا لما يقضيه من عذاب غيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت، كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة، كقوم عاد، كانت في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء، كما قد ذكر ذلك أهل التفسير وقصاص الأنبياء) [ابن تيمية، الفتاوى، 35/175]