=
=
وأعطت العين للمرأة أشواقها المستبدة، وزَينت المرأة للعين متاعها المتجدد، فاستيقظت الغرائز كلها من هزة الأشواق وحب الاستمتاع، وانحدرتْ في دم الرجل قطرات الفتنة المؤنَّثة، وسطعت في كيانه كله نفحات العطر المعربد، وألقت المرأة ظلها على كل شيء ألوانًا تتخايل بالفن المنسَّق البديع، وصبغت كل شيء في حلاوة أنوثتها، حتى لم يبق للرجولة ولا للإنسانية هوًى في الحياة إلا وهو من المرأة وإلى المرأة وفي سبيل المرأة.
وصارت المرأة هي المحور الذي تدور عليه الإنسانية في فلك الشهوات الضارية التي تنزع منازعها في حياة الإنسان باقتدار وقسر، وسار العالم كله على ذلك حتى ما يُحس ذو شعور أنه يعمل من أجل المرأة، مع أنه ما يعمل عامل إلا من أجلها. فهو في نشوة متصلة لا تنقطع في عمله، لأن الغرائز المنتشية هي التي تحكم وتصرّف، وبذلك لم يبق له من الفكر ما يستطيع به في هذا الأمر أن يتبين حقيقة التيار المسكر الذي يتدافع به في حياته.
أصبحت الحضارة الأوربية بعد ذلك فنًا جميلًا يتوالى فيه زخرف الحسن مبعثرًا ومنتظمًا، لأن الأعمال كلها قد احتملتها إرادة واحدة، هي إرادة جعل الحياة أجمل مما هي لتكون أمتع للعين والقلب والنفس والغريزة، مع إسقاط مطالب الروح السامية المتحررة من استعباد الشهوات
ولولا هذا التبرج الفاجر في هذه المدنية، ولولا هذه الشهوات التي انطلقت ترشف من مسكرات الفن المتبرج، ولولا هذه الغرائز الجامحة في طلب السيطرة لإدراك غاية اللذة، لما كان النظام الاقتصادي الحاضر في هذه المدنية هكذا مهدَّمًا مستعبدًا مستأثرًا باغيًا، ولما تعاندت القوى الدولية هذا التعاند الذي أفضى بالعالم إلى الحرب الماضية ثم إلى هذه الحرب المتلهبة من حولنا اليوم؛ وذلك في مدى خمسة وعشرين عامًا، لم يستجمع العالم خلالها قوته، ولم يتألف ما تفرق، إلا ليضيع قوته مرة أخرى ويتفرّق
وستخرج المرأة من هذه الحرب أيضًا كثيرة فاتنة حائرة لا تجد أباها ولا زوجها ولا أخاها ولا حبيبها، وستكون في عينيها تلك النظرة الحزينة الضارعة التي تقول لك: أنقذني! أنقذني! ! أنا وحدي، لا أجد من يعولني! وسينظر العالم الجديد إلى هذه المرأة بالرحمة والعطف والحنان، كما نظر للّواتي كنَ بعد الحرب الماضية. وستعمل المرأة يومئذ لتكتسب الرجل في كل وجه، ثم لا تلبث أن تُوجِد من بقايا العالم المتحطم سحرًا جديدًا لمدنية ساحرة، وبذلك يرتد العالم إلى النظام الاقتصادي الفاجر المبني على اللذة وطلبها والبحث عنها، فتكون أنظمته كلها قائمة على الاستبداد والفجور في الاستبداد.
ويومئذ يبدأ تحقيق نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشراط الساعة وما يكون في أعقاب الدهر، إذ "يُرفَع العِلْمُ، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد"
أقول : وقد حصل عامة ما توقعه وما انفجار التبرج ( والذي تفعله حتى أعتى النسويات ) إلا ضربا من ابتذال الأنوثة والطلب الصامت للذكور ويثير سخريتي وشفقتي تسمية ذلك تحررا من السلطة الذكورية.