طقوس الوطنية والبحث عن القيمة.
طقوس الوطنية والبحث عن القيمة.
معلوم أن من خصائص زماننا أن لكل بلد علما ونشيدا وطنيا وعيدا وطنيا خاصا وأخوة وطنية وأغاني وطنية
وما من واحدة من هذه إلا وقد رأيت بعض المنتسبين للعلم يجتهد في إباحتها وربما استحباب بعضها
ولكن الذي ينبغي أن نقف عنده هل هذه الحال كانت موجودة في التاريخ الإسلامي ؟ أو تاريخ أي أمة أخرى بهذا التكرر وهذا الحزم
ولا زلت أذكر أننا في المدرسة كانت القصائد التي تتغنى بالوطن جزءا مهما من المناهج
فما داعي هذا التوكيد المستمر مع أن حب الوطن قضية فطرية لا تحتاج إلى كبير توكيد يأخذ الوقت والذهن واليوم الناس يتذمرون من كثير من الفروع الشرعية بحجة أنهم لا يَرَوْن لها فائدة كبيرة ؟
الجواب : الوطن الْيَوْم ليس هو البلد بالمعنى القديم فقديما البصرة بلد والكوفة بلد وكلها يشملها اسم العراق وغالب كلام الناس قديما عن حب الوطن يعنون به البلد أو ما نسميه الْيَوْم المحافظة وليس الوطن بالمعنى المعروف الْيَوْم من أنها بقعة من الأرض محددة بحدود لأهلها مجموعة من المقدرات المأذون لهم بالتصرف بها ولا يحق لأحد من أهلها الانتقال منها إلا بإذن سلطة تلك البلاد ومن وفد عليها من غير أهلها لا يساويهم في الحقوق والواجبات وإن كان معهم على دين واحد ونسب واحد حتى يعطوه وثيقة الانتماء لهذه الأرض ( فالمعنى الحديث يشمل عدة بلدان أو أوطان بالمعنى القديم )
هذا المفهوم الحديث للوطن هو مفهوم يستبطن رؤية كونية شاملة زائدة على مجرد الحب الفطري لمكان نشأ فيه الإنسان
فهذا المفهوم يحدد أهداف المرء وأن أهدافه الأسمى ينبغي أن تكون متصلة بهذا الكيان ( الوطن ) ولكن هذا الوطن كيف حدد أهدافه ؟
حددها من خلال منظومة معلمنة تجعل الأهداف الدنيوية والشهوات الحسية ليست وسيلة وإنما غاية فالمرء يعيش في هذه الدنيا لأجل لقمة العيش والرفاه ولا شك أن لقمة العيش مطلوبة ولكن أصل العيش وسيلة للوصول لله عز وجل ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وكل من كان بالله أعرف كان له أعبد ويزداد علم المرء بربه كلما نظر في آياته المتلوة وآياته الكونية بل آياته المتلوة تعينك على حسن القراءة للآيات الكونية
وكثير ممن تعاطى مع بعض الممارسات ( الوطنية ) الفرعية وحاول أن يوجد لها أدلة غفل عن هذا المعنى بل حتى كثير ممن ينكر هذه الممارسات لا يفهم عمق هذا الأمر
فلما كان الأمر عقيدة أو نتاج عقيدة وشيئا يسير الحياة بأسرها جعلت له ( طقوس ) إن صح التعبير تنمي هذا الشعور بالقلب
فنحن إن تحدثنا عن الوعظ وعن التذكير بالآخرة وذكر سير السلف وغيرها يسخر بعض المرحبين بالفكرة الوطنية من ذلك علما أن هذا هو نظير فعلهم مع طقوسهم الوطنية من الاحتفالات والأغاني والأشعار وغيرها إذ المقصود من هذا التذكير بهذه الرؤية الكونية وما تقتضيه
ومع كوّن هذه الرؤية الكونية تزاحم العقيدة الدينية التي تعلي من قيمة الآخرة ومشتركات العقيدة والعبادة بين المسلمين على مشتركات المصالح الحاضرة بين أبناء الوطن بالمعنى الحديث
غير أنه وجدت قراءة دينية تخدم الوطنية بصورتها الحديثة وتستفيد مما في الدين من معاني لخدمة هذا ( الوطن ).
=