كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هذا الصديق فما بالك بنا نحن !

المصدر
هذا الصديق فما بالك بنا نحن ! قال ابن أبي شيبة في المصنف 36673- حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، قال : لما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر فسمعوا القرآن جعلوا يبكون ، فقال أبو بكر : هكذا كنا ، ثم قست القلوب. أبو صالح السمان لم يدرك الصديق ولكنه سمع من كثير من الصحابة وهذا يحتمل في الموقوف وإن المرء ليتعجب من أبي بكر الأسيف البكاء يقول مثل هذا ويتحسر على حاله في بدايات الإسلام وما تغير كثيراً فقد بقي إلى آخر عمره تبلغ اللذة بقراءة كتاب الله أن يصلي بالناس بسورة البقرة ولكنها ( حساسية المؤمن ) إن صح التعبير دون تقنيط للنفس فهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ) وهذا بحسب ما في قلب الصديق ففي مقاييسنا المرء يفعل ذنوباً كثيرة ويراها أمراً يسيراً أما في قلب الصديق فيفعل ذنباً يسيرا فينظر إلى عظمة من عصى لا إلى صغر الذنب ثم يتذكر الرحمة والحلم الإلهيين فيسكن قلبه ليس هذا الخبر الوحيد الذي يظهر فيه الصديق التحسر على حالهم في بداية الإسلام بل هناك خبر آخر صحيح قال ابن المبارك في الزهد [281]: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: قال أبو بكر: طوبى لمن مات في النأنأة. فسألت طارقا عن النأنأة، قال: أراه عنى في جدة الإسلام، أو قال: بدء الإسلام. فالصديق يغبط من ماتوا في بدايات الأمر فسبحان الله ألم يكن الأمر في البداية فيه من الاستضعاف ما فيه ؟ فالجواب : نعم ولكن القلوب كانت ألين وأصفى والصف أنقى وكان مقام النبي صلى الله عليه وسلم بينهم يرونه ويخاطبونه وهذا لو خيروا بينه وبين ملك الدنيا لاختاروا مقام النبي صلى الله عليه وسلم على الاستضعاف وداعي نقل هذا الكلام أننا اليوم شئنا أم أبينا في مخاض لما قد نسميه تجوزاً ( صحوة جديدة ) وربما نحن نعيش الطلائع القدرة المعرفية عند الشباب المسلم توسعت كثيراً، ولكن يلاحظ النقص في القدرة العملية والعناية بالرقائق والمواعظ حتى أنني مرة قلت للأخوة أشتاق إلى أن أسمع موعظة عن الجنة أو النار، لقد استغرق الخطاب الفكري والنظر التاريخي والتحليل أذهاننا، حتى أن التمدح قديماً كان فيه نوع اختلاف فكنا نسمع عن فلان الذي يقوم الليل وعن فلان الذي يتحرى جداً في أكل الحلال وعن فلان الذي لا يفتر لسانه عن ذكر الله، وأما اليوم فأكثر ما يمدح به المرء أنه يقرأ كذا وكذا في اليوم والليلة وقرأ كذا واطلع على كذا وحفظ كذا، ولا شك أن هذا فيه خير ولكن المراد التنبيه على الإيغال المعرفي، فقديماً كان يحمد العلم والعمل معاً، واليوم إنما يحمد العلم والمعرفة في الغالب وينبغي الانتباه لهذا فإذا كان الصديق يراقب قلبه وتأثره بالمواعظ وهو أفضل الناس بعد الأنبياء فما بالك بنا نحن ويلاحظ اليوم من آثار قسوة القلوب ما يلاحظ عند عدد لا بأس به من المهتمين بالملفات الفكرية ولا أدعو إلى أن يتركوا ما في أيديهم ولكنني أدعو إلى أن ينضبطوا بآثار السلف ويُقبِلوا هم ومن معهم من التلاميذ إلى النظر في الرقائق وذكر الجنة والنار؛ والصراط؛ والحوض؛ ونعيم القبر وعذابه؛ وغيرها، وقبلها آثار أسماء الله وصفاته، وأحوال التائبين ومجاهداتهم؛ ولذة العبادة، وغيرها من مرققات القلوب.