العقيدة فوق كل شيء..
العقيدة فوق كل شيء..
هذه حقائق ربما تكون معلومة للكثير من القراء، ولكن الكثير يجهلون ما يترتب عليها في إصلاح بعض التصورات الفاسدة اليوم.
أولًا: المقوقس الذي أهدى للنبي ﷺ مارية القبطية وهدايا أخرى عديدة وكان من أحسن الملوك خلقًا مع النبي ﷺ لا ينفعه كل هذا للنجاة من النار، بل قد مات كافرًا.
ولو أسلم ولم يُهد للنبي ﷺ شيئًا لكان ذلك أنفع له، ولو جمع بين الأمرين لكان ذلك الكمال.
ثانيًا: النجاشي الملك الذي لا يُظلم عنده أحد لو لم يُسلِم ما صلَّى عليه النبي ﷺ ولكان من أهل النار ولَمَا نفعه عدله للنجاة من النار، ولكنه أسلم، وكان بسبب عدله أقرب إلى الإسلام، فلمَّا عدل بين الناس في الأقيضة طَرَد سلوكه وعدل بين الناس في الأديان فأخذ بدين الحق.
ولو مات كافرًا لكان الخارجي الظالم الجائر الموحِّد يُرجى له من رحمة الله ما لا يُرجى لملك عادل كافر.
ثالثًا: أبو طالب عم النبي ﷺ مات كافرًا مع نصرته العظيمة للنبي ﷺ فلم ينفعه ذلك للنجاة من النار.
ومسلم متولٍّ من الزحف يُرجى له النجاة من النار {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
وما يقال في أبي طالب يقال في المطعم بن عدي الذي أجار النبي ﷺ.
لا أقول هذا تزهيدًا بأمر الذنوب (فإن الذنوب قد تتراكم حتى تجعل القلب مهيَّئًا لقبول الكفر، ولكن يبقى المسلم المذنب أفضل من الكافر)، ولكن أقوله لبيانِ عظيمِ قدر العقيدة الصحيحة في الله عز وجل.
من استقر هذا المعنى بنفسه فلن يُعظِّم كافرًا لدنيا يجدها عنده أو حسن خُلق، بل سيأسف عليه بأن هذا ما قاده لتوحيدِ الله عز وجل رأسِ الفضائل.
وبعض الناس يرى هذا من نقائص الدين، وهذا لعمري من أعظم البراهين على أن هذا الدين من عند الله عز وجل، إذ أن المركزية في هذا الدين للعقيدة في الله عز وجل، فهذا يدلُّ على أن هذا دين من عند الله، فالفلسفات الحداثية تجعل المركزية للإنسان لأنها جاءت من إنسان.
وعلى هذا لا ينبغي الاستهانة أبدًا بأمر الاعتقاد، نعم قد يكون فاسد العقيدة أو الأخلاق أنفع لشأن دنيوي أو حتى ديني، ولكن هذا لا يعني الفضل المطلق.
فالكتابية العفيفة أنفع لأمر الزواج من المسلمة الزانية، ولكن الثانية مآلها إلى الجنة وإن عُذِّبت قبلها، وهي أصلًا تحت المشيئة، وأما الأولى فمآلها إلى النار إن لم تتب، ومِن مقاصد نكاحها تقريبها للإسلام.
والراوي المبتدع الثقة تُقدَّم روايته على السني الضعيف، ولكن يبقى السني أفضل بالجملة، فالأمر هنا في شأن الرواية فقط.
فلا يمكن أن توجد كتابية هي أفضل من كل المسلمات العفيفة والزانية، ولا يمكن أن يوجد مبتدع ثقة هو أفضل من كل رواة الحديث من أهل السنة، فهذه الحال تكون في الأفراد لا في الجملة، وفي زماننا يخلطون.
وحديث النبي ﷺ الذي فيه: "إن الله ليؤَيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر" في رجل كان بلاؤه بالجهاد أعظم من بلاء عامة الصحابة الكرام فأفاد المسلمين فائدة عظيمة وفضل كثيرًا من أهل الإيمان، ولكنه كان من أهل النار لأمرٍ كان في قلبه ظهر في قتله لنفسه.
ولا ينبغي أن تأخذ هذا الفصل وتزهد في الأعمال الصالحة بحجة صلاح العقيدة، ولكن احرص على الأعمال الصالحة وثوابها العظيم واحرص على ألا تُحبِطه بفساد معتقد، لهذا لمَّا وعظ ابن عمر القدرية خوَّفهم من حبوط الأعمال (لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر)، واليوم يعكسون الأمر، يهوِّنون من شأن فساد العقيدة استدلالًا بالأعمال الفاضلة لفاسدي الاعتقاد، فيأتي أحدهم ويقول (كيف يكون النصراني المتبرع بأمواله من أهل النار؟) وكأنه يمُنُّ على الله، وفي المتشرعين من ذلك كثير.
نعم ليست كل زلة تُسقِط المرء، فلا أحد يسلم من الزلل، ولا كل سيئة تُحبِط الأعمال، وما دام الإنسان في دائرة الإسلام فإنه يُرجى له، ولكن لا تُعكس الأدوار فيُهون من شأن البدع المغلظة لهذا الداعي، وقد يقع من إنسان زلة تدل القرائن على عذره فيها ومع ذلك لا يجوز لأحد اتباعه عليها بعد ظهور الأدلة، وهذا باب طويل والمقصود هنا التنبيه.