هل يعق عن السقط؟ (ومسألة مهمة في نقل مذاهب الفقهاء يقع فيها الغلط كثيراً)
هل يعق عن السقط؟ (ومسألة مهمة في نقل مذاهب الفقهاء يقع فيها الغلط كثيراً)
قال ابن تيمية في الرد على الأخنائي: "فدعوى من ادعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر، وكذلك إن ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب، وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل قولاً شاذًّا مخالفًا لإجماع السلف مخالفًا لنصوص الرسول، فكفى بقول فسادًا أن يكون قولاً مبتدعًا في الإسلام مخالفًا / للسنة والجماعة: لما سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها".
ما وقع فيه الأخنائي وانتقده عليه ابن تيمية يكثر في زماننا هذا جداً من كثير من المنتسبين للمذهبية، ويشتد الخطب إذا كان الكلام على مسائل خطيرة مثل التبرك وشد الرحال ونظائرها.
فتجده يقول: (مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة كيت وكيت) فحين يقرأ المرء هذه العبارة يظن أن في هذه المسألة كلاماً لأئمة المذاهب ولمتقدمي أصحابهم ومتأخريهم، فإذا بحث يجد أنهم ليس لهم كلام بل ربما تقتضي أصولهم عكس هذا، أو لبعضهم كلام معاكس لكلام الناقل، وأن من يعنيهم من الشافعية أو المالكية هم بعض المتأخرين من المتصوفة المتمذهبين، أو مطلق المتأخرين ممن عاشوا في القرن الثامن أو التاسع أو قبلها قليلاً، وهذا تلبيس شديد على العامة، وبعض طلبة العلم يتنبه لهذا في مسائل معينة ولكن تنطلي عليه الحيلة في مسائل أخرى.
وهنا سأضرب مثلاً في مسألة حيوية وهي مسألة العقيقة عن السقط:
نشر بعض شافعية زماننا كلاماً لبعض الشافعية المتأخرين يقول فيه باستحباب العقيقة عن السقط إذا نفخت فيه الروح .
قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى (4/275): (العقيقة إنما تسن عن سقط نفخت فيه الروح كما جريت عليه في شرحي الإرشاد والعباب تبعًا للزركشي، وأما ما لم تنفخ فيه الروح فهو جمادٌ لا يبعث ولا ينتفع به في الآخرة فلا تسن له عقيقة، بخلاف ما نفخت فيه فإنه حي يبعث في الآخرة وينتفع بشفاعته) اهـ.
وكذلك تسنُّ تسميته إن بلغ أوان نفخ الروح.
و قال الشرقاوي في حاشيته (السنة: أن تذبح العقيقة يوم السابع، وأن يسمى فيه، ولو سقطًا إذا بلغ أوان نفع الروح فيه، فإن لم يعلم له ذكورة ولا أنوثة سمّي بما يصلح لهما، كطلحة وهند) اهـ.
هذا ما نقله ونبه على حكم مهم، ونلاحظ أن المسألة حيوية ومتكررة، وأريد من ذكر هذه المسألة تحريرها والتنبيه على أمور لا ينتبه لها كثير ممن يدرس الفقه على الطريقة المذهبية.
فهنا الكلام لابن حجر الهيتمي المتوفى عام 974 فهو متأخر جداً لهذا لا ينبغي أن ينزل كلامه منزلة كلام الشافعي أو أحد أصحابه المتقدمين، وقد أحال للزركشي وهو متأخر أيضاً جاء بعد ابن تيمية.
غير أن المشهور عند المتأخرين أنه يقول: (هذا مذهب الشافعية) أو (قال الفقهاء) فيتبادر لذهن القاريء أنه كلام من تقدم ومن تأخر، وأما أهل الفطنة فيضبطون ألفاظهم ويفهمون الأمر على وجهه (علماً أن كلام الشرقاوي متعلق بالتسمية، وقد فهم الدكتور المشار إليه أنه يريد العقيقة وليس كذلك ومن راجع كلام الشافعية في هذا فطن).
والسؤال هنا:
ما كلام المتقدمين من أئمة المذاهب وغيرهم في هذه المسألة وهل سبق أحد لهذا التفصيل؟
جاء في المنهاج في شعب الإيمان للحليمي الشافعي المتوفى عام 403: "فإن مات الصبي قبل السبع لم يعق عنه لأنه مات قبل توجب الأمر على المولود له بالذبح عنه. فصار كأن لم يكن أو كالسقط. وإن مات بعد السبع وإمكان الذبح عنه عق عنه".
أقول: هذا الذي ذكره الحليمي هو مذهب مالك وتأمل قوله: (صار كأن لم يكن أو كالسقط) مما يدل على أنه من المتقرر عند الجميع أن السقط لا يعق عنه وإلا لما ضرب مثلاً.
وهذه مسألة معروفة إذا مات الصبي قبل اليوم السابع وبعد ولادته هل يعق عنه؟
فمن قال لا يعق عنه فهو من باب أولى قائل ألا يعق عن السقط، ومن قال يعق عنه لم يلزم من قوله أنه يرى العقيقة عن السقط.
ولا أعرف لمجتهد كلاماً في هذه المسألة إلا المنقول عن الإمام مالك (أعني من المتبوعين).
جاء في الجامع لمسائل المدونة: "ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه، ولا تسمية عليه فيه.
قال ابن وهب: فذكر له الحديث في السقط يقول لأبيه يوم القيامة تركتني بغير اسم، فلم يعرفه". ونحوه في العتبية
وفي القوانين الفقهية للغرناطي المالكي المتوفى عام 741: "ومن مات قبل السابع لا يعق له وكذلك السقط".
=