أقيسة الإمام البخاري (من فقه أهل الحديث)…
أقيسة الإمام البخاري (من فقه أهل الحديث)…
من الأفكار المستقرة في أذهان كثيرين أن كتب الحديث خالية من الفقه والاستنباط إلا ما يدركه القارئ بنظره الأولي في الأخبار ثم باستنباطه وتدقيقه، وليس الأمر كذلك في كتب الصحاح والسنن، فقد يُبرز لك المؤلف من خلال التبويب من فقه الحديث ما غاب عن ذهنك بل وما يغيب عن ذهن عامة الناس، ومِن أسخى العلماء في هذا الباب الإمام البخاري لكثرة استنباطاته ودقتها التي تظهر في التبويبات، وهي قوله (باب كذا وكذا) ثم يورد الأحاديث التي تؤيد مقصوده، فليس القصد من إيراد الأحاديث في صحيحه إثبات صحتها فحسب، فإن الصحة قد يستفيدها المرء من استدلال الأئمة قبله بالحديث أو كون السلسلة الإسنادية مشهورة بالصحة ولم يعل الحديث، وإنما المراد أيضاً بيان ما يُستنبط من الأحاديث من الفوائد المغنية عن التوسع في الرأي، فالبخاري كان يحمل هاجس نقد أهل الرأي في صحيحه.
وإليك أمثلة على ما أردنا (وهي مستفادة من كتاب «ثواقب الأنظار» للزاهدي) :
١- قال البخاري: "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها".
ثم أورد تحته حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه.
ولم يرد في هذا اللفظ ذكر الدابة وإنما ورد ذكر الناقة في طريق آخر، فلما كان القصد من الوقوف على الناقة البروز شمل ذلك كل دابة من جهة المعنى بل شمل كل ما يقف عليه الإنسان ليبرز للعدد الكبير من الناس، فتأمَّل كيف عمم الأمر بمراعاة العلة مع كون اللفظ خاصاً بالناقة، وهذا توكيد على القاعدة الأصولية (بيان الشارع في أمر بيان في نظيره).
٢- "باب تعليم الرجل أمته وأهله".
ثم أورد حديث أبي موسى الأشعري: «ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران».
وليس في الحديث ذكر تعليم الأهل، ولكنه أخذه من دلالة القياس من أن الرجل إذا حرص على تأديب أمته وتعليمها وليس إطعامها فقط فأهله من باب أولى أو اعتبره بدلالة الفحوى، لأن الأمة ذكر تزويجها فصارت أهلاً بعد ذلك.
٣- في كتاب الحرث والمزارعة بوب بقوله: "باب إذا قال: اكفني مئونة النخل وغيره، وتشركني في الثمر".
ثم أورد حديثاً في النخل خاصة، ولكنه قال "أو غيره" إشارة لعموم الحكم في جميع الثمار من باب القياس.
٤- وفي كتاب الوكالة: "باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت، أو شيئاً يفسد، ذبح وأصلح ما يخاف عليه الفساد".
ثم أورد حديث كعب بن مالك: «أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا».
فالحديث في الشاة خاصة، ولكنه عمم الأمر فقال: "أو شيئاً يفسد" من باب القياس.
٥- في كتاب الرهن: "باب الرهن عند اليهود وغيرهم" ثم ساق حديث عائشة في رهن درع النبي ﷺ عند يهودي، مع أن الحديث في اليهودي، ولكنه عممه في الجميع نصارى وصابئة ومجوس بدلالة القياس.
والأمثلة في صحيح البخاري على ذلك كثيرة جداً، وهذه مجرد نماذج.
ولو أن شخصاً أخذ تبويبات البخاري وصاغها كما تصاغ المتون الفقهية لخرج لنا كتاب حسن ويُشرح بيُسر بالرجوع لصحيح البخاري، وهكذا يقرَّب فقه البخاري بطريق يسير بعيداً عن تطويلات الشراح.