من أحوج لمن؟
من أحوج لمن؟
كتب رجل أزهري منشوراً في أن علماء الأمة في كل زمان هم الأشعرية وعلقت عليه بما أعجب عدداً من الأخوة ولن أعيد تعليقي هنا فقد نقدت هذه الدعوى في صوتيتين اسمُها ”السواد الأعظم المنسي“، وهما في قناتي على اليوتيوب.
وبمنشور في هذه القناة بعنوان: ”حول دعوى أكثر علماء الأمة“..
وكنت سأغلق هذا الملف غير أنني وقفت اليوم على فائدة ذكرتني به، قال ابن حجر العسقلاني في تبصير المنتبه بتحرير المشتبه (3/850):
«وبالفتح: أبو عبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن فطر الأنصاري الصولي المالكي؛ كان زاهداً متعففاً، كتب عنه الرشيد العطار في معجمه؛ وقال: منسوب إلى صول: من قرى مصر. مات سنة ثمان وثلاثين وستمِئَة.
وكان في عصرنا شخص ينوب في القضاء يدعى تاج الدين من أهل هذه القرية يقال له قاضي صول، رأيته، وكان ينظم الشعر. ولم يذكر هذه الترجمة ابن ماكولا لا ابن نقطة ولا ابن سليم ولا الصابوني ولا الفرضي ولا الذهبي ولا مغلطاي، فسبحان لرزاق».
وقال الزبيدي في تاج العروس (29/ 335) ناقلاً كلمته هذه:
«هكذا في التبصير للحافظ، قال: لم يذكر هذه الترجمة العسكري، ولا الدارقطني، ولا عبد الغني، ولا ابن الدباغ، ولا السلفي، ولا ابن ماكولا، ولا بن نقطة، ولا ابن سليم، ولا الصابوني، ولا الفرضي، ولا الذهبي، ولا مغلطاي، فسبحان الرزاق».
يلاحظ هنا أنه زاد بعض الأعلام
ما علاقة هذا الكلام ببحثنا؟
علاقته أنك لو نظرت في أسماء هؤلاء الذين سردهم ابن حجر (وهم الذين سبقوه إلى التصنيف في هذا الفن) لوجدت غالبهم إن لم يكن كلهم ليسوا أشعرية، وهذا ليس مستغرباً فالمصنفات في القرون الخمس الأولى غالبها لأهل الحديث والمعتزلة والفلاسفة وغيرهم وحضور الأشعرية ضعيف جداً لهذا في منشور الأزهري بدأ العد من القرن السادس وهو يقول في كل عصر!
عامة المؤلفات في القرون المتأخرة هي فروع عن المؤلفات في القرون الأولى إما تنقيح لها أو ترتيب أو جمع بين متفرق أو تلخيص؛ وكان الرجل الأشعري يصنف في الفن معتمداً على مصنفات عديدة عامتها لغير أهل مذهبه فهم عنده إما مبتدعة أو كفار ولا يجد في ذلك أي حط عليه ولا إلزاماً له بتخفيف المقالة في المخالفين هذه حجة عصرية غريبة.
وخذ مثالاً كتاب النهاية في غريب الحديث لابن الأثير وهو أشعري شافعي متهم بالتشيع تجد في مقدمته ذكر تاريخ التصنيف في هذا الفن (فن غريب الحديث هو فن يعنى بشرح الألفاظ الغريبة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم).
فيقول:
«فقيل إن أول من جمع في هذا الفن شيئا وألف أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابا صغيرا ذا أوراق معدودات، ولم تكن قلته لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما أن كل مبتدئ لشىء لم يسبق إليه، ومبتدع لأمر لم يتقدم فيه عليه، فإنه يكون قليلا ثم يكثر، وصغيرا ثم يكبر. والثاني أن الناس يومئذ كان فيهم بقية وعندهم معرفة، فلم يكن الجهل قد عم، ولا الخطب قد طم.
ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني بعده كتابا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبى عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه. ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي- وكان في عصر أبي عبيدة وتأخر عنه- كتابا أحسن فيه الصنع وأجاد، ونيف على كتابه وزاد، وكذلك محمد ابن المستنير المعروف بقطرب، وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد، ولم يكد أحدهم ينفرد عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر. واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام وذلك بعد المائتين، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار الذي صار- وإن كان أخيرا- أولا، لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة، والفوائد الجمة، فصار هو القدوة في هذا الشأن فإنه أفنى فيه عمره وأطاب به ذكره، حتى لقد قال فيما يروى عنه: «إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري» . ولقد صدق رحمه الله فإنه احتاج إلى تتبع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثرتها وآثار الصحابة والتابعين على تفرقها وتعددها، حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رواتها. وهذا فن عزيز شريف لا يوفق له إلا السعداء. وظن رحمه الله- على كثرة تعبه وطول نصبه- أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثر الآثار، وما علم أن الشوط بطين والمنهل معين، وبقي على ذلك كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه، ويعتمدون في غريب الحديث عليه، إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمه الله، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار، حذا فيه حذو أبي عبيد ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه حاجة من زيادة شرح وبيان أو استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه».
فهنا ذكر معمر بن المثنى والأصمعي والنضر بن شميل وأبو عبيد القاسم بن سلام وهؤلاء كلهم أهل سنة إلا معمراً كان متهماً برأي الخوارج وكان يثبت الصفات.
=
.
ثم ذكر إبراهيم الحربي وأثنى على كتابه ومحمد بن القاسم الأنباري وأبا عمر اللغوي صاحب ثعلب، ثم ذكر الخطابي وكتابه الغريب وأبا منصور الأزهري وكتابه تهذيب اللغة وتكلم على ميزات كل كتاب منها وذكر أيضاً أبا عبيد الهروي، ثم ذكر الزمخشري المعتزلي وأبا موسى المديني الأصبهاني وكان سنياً وكتاب كل واحد منهما في الغريب فابن الجوزي الحنبلي وكتابه، ثم ذكر أنه اعتمد كتاب الهروي وكتاب أبي موسى المديني لكونهما أشمل الكتب وذكر أنه استدرك عليهما.
وفاته كتب المغاربة فلم يذكرها، حين تقرأ هذه المسيرة ومعظم المؤلفين ليسوا من الأشعرية ولا الماتردية (ومعظم مؤلفاتهم مطبوع) وتجد الرجل الأشعري معترفا باستفادته من غيره ممن ليسوا على مذهبه وأن من بدأ الفن هم رجال ليسوا على عقيدته ومن قعدوا قواعده وأصلوا أصوله وجمعوا فوائده الكبار وبينوا للناس السبيل ثم صار لغيرهم مجالا للكتابة والاستدراك بعد هذا كله؛ فيأتي الأشعري المعاصر أو من يحاول تضخيم دورهم العلمي ويوهمك في بعض المصنفات أن منها بدأ العلم وحقيقتها أنها جمع وترتيب وتهذيب وأن صاحبها معترف بانتفاعه من أناس على غير عقيدته وأنه لولا الله ثم جهودهم ما جاء كتابه هذا (وتجد بعضهم يتساءل كيف سنفهم الأحاديث لولا الكتاب الفلاني مع أن مؤلفه صرح أنه معتمد على مؤلفات هي موجودة بين أيدينا اليوم؟)
وماذا لو جاء سلفي ونظر في كتاب ابن الأثير واستدرك عليه ويسره وسهله وحذف منه الأخبار المنكرة والتي لا أصل لها وصار كتابه مشهوراً في الناس ومتداولاً لسهولته وقربه من لسان أهل العصر وهجر كثير من الناس كتاب ابن الأثير طلباً للاختصار والمادة الأنقى، هل يصح أن يأتي إنسان ويتكلم عن كتاب هذا الرجل السلفي وكأنه البداية في العلم ويجعل هذا الجهد سبباً في تهوين الخلاف مع السلفية إن لم يكن سلفياً؟
وكلام ابن الأثير يبين لك عظيم اهتمام الناس بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية المتون فقد ألفت كتب عديدة في غريب حديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل تصنيف صحيح البخاري، ولا أعرف أحداً أشكل على حكم المعتزلة أو الخوارج بأن منهم معمر بن المثنى والزمخشري! ولا أن أحداً ذم الخوارج أو المعتزلة فقيل له: وماذا عن معمر بن المثنى؟ وماذا عن الزمخشري ؟
هذه أساليب محدثة ويلجأ إليها من يفلس من الحجة
ويلاحظ أن هؤلاء المؤلفين ما فيهم حنفي ماتردي واحد ومع ذلك لا أحد يعير الأحناف الماتردية بهذا ولا يفكر الحنفي بترك مذهبه أو التميع مع المخالفين لهذا الداعي!
وعليه فإن الفرقة التي معظم نتاجها العلمي الذي يعتد به ظهر في القرون المتأخرة هم آخر فرقة تزعم احتياج الناس إليها فإن هذه الحجة ستنقلب عليهم بأن أئمتهم الذين يفرحون بمصنفاتهم دائماً يعترفون بالانتفاع من مؤلفات لأناس على غير عقيدتهم فهم بسبب ظهورهم المتأخر تاريخياً ومرورهم بمدة كانوا فيها قلة جهودهم العلمية ظهرت متأخرة ولكنهم يستغلون اليوم أن أكثر العوام لا يضبطون هذا الأمر ولو قلت لهم أن الغزالي وأحمد ابن حنبل عاشا في زمن واحد فإنهم لن يستغربوا ذلك! والمؤلفات كلما تأخر زمانها كلما كانت مظنة للمحدثات وما نبغ رجل في عصره إلا بنظره في كتب المتقدمين ونقده ما شاع من الغلط في المتأخرين.
سبب حيرة الجويني ومفتاح دحر الوسواس ...
قال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية (1/53): "رواها عنه «الحسن بن العباس الرستمي الأصبهاني» مفتي أصبهان ومحدثهم، قال حدثنا «أبو الفتح» فذكرها كما ذكرها «ابن الوليد» فلما تكلم «أبو المعالي» على منبره، في نفي علو الله على العرش، بأن الله كان قبل العرش، ولم يتجدد له بالعرش حال، قام إليه هذا الشيخ «أبوجعفر الهمداني» الحافظ، فقال: قد علمنا ما أشرت إليه، أي: دعنا من ذكر العرش، فإن العلم بذلك سمعي عقلي، ودعنا من معارضة ذلك بهذه الحجج القياسية، فهل عندك للضرورات من حيلة، أي: كيف تصنع بهذه الضرورة الموجودة في قلوبنا؟ ما قال عارف قط: يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فبينها نتخلص من الفوق والتحت، قال: فصاح «أبو المعالي» وضرب على السرير، وخرق ما كان عليه، ولم يجبه إلا بقوله: الحيرة الحيرة، الدهشة الدهشة، وكان يقول: حيرني الهمداني. وذلك لأن العلم باستواء الله على العرش بعد خلق السموات والأرض، إنما علم بالسمع، أمَّا العلم بعلو الله على العالم فهو معلوم بالفطر الضرورية وعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا ما يعلم كما يعلم، فقال لأبي المعالي: ما تذكره من الحجج النظرية، لا تندفع به هذه الضرورة".
أقول: كثير ممن ابتلي بالوسواس بسبب مسالك مدخولة في الجدل عليه أن يتدبر هذا الكلام ويفهم وجهه.
لماذا تحير الجويني من كلام الهمداني؟
يطيب لبعض الأشعرية أن يطعن في القصة، ولكنها ثابتة، وإن لم تثبت فإن ما فيها من المعنى ثابت.
وجه حيرة الجويني أن القضايا النظرية التي تؤخذ بالاستدلال والتعليم مركبة، وإلا ما احتجنا إلى الاستدلال عليها وتعليمها، فلا بد أن تكون مبنية على شيء يكون مشتركاً بين المعلم والمتعلم حتى يحصل التواصل والترقي.
فإن كانت مبنية على علوم نظرية أخرى سنسأل، والعلوم النظرية الأخرى على ماذا بنيت؟ وهكذا نتسلسل حتى نصل إلى الضرورات التي لا تحتاج إلى استدلال، فهي ضرورات فطر عليها الناس.
وإن كانت المعارف النظرية مبنية على نفسها فهذا دور، كأن تقول: (فلان صادق لأنه صادق) بل لا بد من العودة إلى الضرورات، فلما كانت الضرورات هي الأصل الذي بنيت عليه العلوم النظرية صار محاولة إبطال الضرورات بكلام نظري عبث محض وسفسطة.
كأن يعطي ملحد ويقول: (ميكانيكا الكم تهدم السببية) وميكانيكا الكم هي ضمن الفيزياء، والفيزياء علم نظري، والسببية ضرورة وليست علماً نظرياً، فمحاولة هدم الضرورات بمعارف نظرية تناقض وسفسطة.
وكأن يأتي إنسان يريد الطعن في حفظ القرآن المتواتر برواية آحادية مختلف في صحتها، هو هنا يروم نقض القطعي بالظني، وهذه سفسطة.
فهنا الهمداني قال للجويني أن الأمر ضرورة، ومعارفك النظرية أصلاً بنيت على ضرورة، فكيف تروم نقض الضرورة بعلم نظري ظني بني على ضرورة أصالة، فمن هاهنا حصلت الحيرة له.
وهذا من أسباب فشو الوسواس في أهل الكلام، أنهم يتطلبون أدلة نظرية لقضايا ضرورية، بل يعارضون الضروريات بالنظريات، ويستدلون بالمعقد على شيء بديهي.
فإن قيل: ما دام العلو ضرورة فلماذا استدل بعض أهل العلم بأدلة مختلفة عليه؟
فيقال: هذا من باب تبكيت المخالف، ومعالجة من فسدت فطرته. فيمكن أن نأتي بأدلة نظرية لتأكيد حقيقة ضرورية، وأما معارضة الضرورات فلا (وهذه خلاصة تقرير شيخ الإسلام في الدرء)
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (3/142): "والمقصود هنا أن كثيراً مما يجعلونه مقدمات في أدله إثبات الصانع، وإن كان حقاً فإنه لا يحتاج إليه عامة الفطر السليمة، وإن كان من عرضت له شبهة قد ينتفع به".
وقال أيضاً (8/86): "وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء، قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة، ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس، أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور.
ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب، والملابس والعادات، لما في النفوس من حب الرياسة.
فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات، أو تلازمات، أو إدراج جزيئات تحت كليات، قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين، وإن كان غير هؤلاء، من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة، لا يحتاج إليها، بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه، ونفر عنها عقله، ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا، فإن علم العقول بافتقار المحدث إلى محدث، أبين وأظهر من علم العقول بأن تخصيص أحد المثلين بشيء دون الآخر يحتاج إلى مخصص، ومن تصور هاتين القضيتين حق التصور، لم يمكنه - مع الشك في الأولى - أن يجزم بالثانية، بل قد لا يتصور إحداهما حق التصور".
فإذا كانت هذه الفطر هي ظواهر النصوص، وظاهر كلام السلف، استراح المرء، وحصل له من ثلج اليقين ما تطمئن له نفسه.
=
=
وكثير من الشباب الذين دخلوا في جدليات مع المخالفين قبل أن يفهموا هذه الأمور حصل لهم تشوش ووسواس.
قال أبو حيان التوحيدي في البصار والذخائر: "ولقد رأيت شيخاً من أبناء ستين سنة وهو يقول: ما ناظرت قط في إثبات الرؤية من ينفيها إلا انقطعت، ولا أتيت بحجة إلا زوحمت، ولا عولت على أصل إلا نوزعت، وما أمدي في ذلك إلا هواي في أني أحب إثبات الرؤية، وأستوحش من نفيها، فأنا أتبع ما يقوى في نفسي، لأن الله عز وجل قاذف تلك المحبة في نفسي، ومتوليها دوني، ولو كان العمل على بيان الخصم واحتجاج النظير وشواهد المناظر، لقد كنت تحولت في ألف مقالة، فإني لا أسمع خطبة مقالة، ولا ألحظ ظاهر نحلة، إلا وأرى له من البهاء والحلاوة والحسن والشارة ما لا أجد لغيره، فإن ذهبت إلى تكافؤ الأدلة قهرت العقل، وفارقت المحجة، وإن ملت إلى تخليص الحجة من عوارض الشبهة رمت كؤوداً، ورهقت صعوداً، لكني مع ما ألقي في روعي لأني واثق به، وذلك أني لم أجلبه ولم أكسبه، وإنما هو شيء سبق إلي سوقاً، وشوقت إليه شوقاً، ولأن أكون مع هذه الدواعي أحب إلي من أن أطيل المنازعة وأكثر البحث، فإن آفة المنازعة ثوران الطباع وهيج النفس وعصبية الهوى، وآفة البحث التردد بين الاستيحاش والتحير على غير يقين يمسك الفؤاد، ولا عمل يزود إلى المعاد.
هذا كلام هذا الرجل، ولعل فتنته فيما ذهب إليه، وعقد إصبعه عليه، أخف من فتنة غيره".
وهذا الكلام معنا في السياق في أمر اعتبار الضرورات والفطر.
وممن رأيته عني بتقرير هذا المعنى أبو الفداء ابن مسعود في كتابه معيار النظر حيث قال في (7/301): "المعروف لا يعرف والبدهي الضروري لا يستدل له، والواضح لا يوضح، فكل من يماري في شيء من البدهيات الأولى (بما في وجود الباري نفسه، وكمال صفاته، وكونه في جهة العلو فوق خلقه) فهو صاحب هوى عظيم بمجرد ذلك، ولا طريق لإقناعه بخلاف هواه، لأن ما يخالف فيه إنما هو نوع (المعارف الفطرية الأولية) التي من جادل فيها فهو كمن يطلب البرهان النظري لحصول ضوء الشمس وهو يراه بعيني رأسه".
تقدم معنا كلام ابن تيمية في أن دفع الإشكالات قد ينفع بعض الناس ممن فسدت فطرته، وهذا باب تفضُّل، وقاعدة الشيخ أن الفطرة والعقل فيهما حجة، ولكن الله تفضَّل بألَّا يعذب إلا بعد بلوغ الحجة الرسالية.
ومثال الشمس قاله الشيخ في درء التعارض ولكنه مثل بالهلال (7/27): "ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين، والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس: إما لإعراضه عن سماع ما في ذلك من المنقول، فيكون حين انصرافه عن الاستماع والتدبر غير محصل لشرط العلم، بل يكون ذلك الامتناع مانعاً له من حصول العلم بذلك، كما يعرض عن رؤية الهلال فلا يراه، مع أن رؤيته ممكنة لكل من نظر إليه، وكما يحصل لمن لا يصغي إلى استماع كلام غيره وتدبره، لا سيما إذا قام عنده اعتقاد إن الرسول لا يقول مثل ذلك، فيبقى قلبه غير متدبر ولا متأمل لما به يحصل له هذا العلم الضروري.
ولهذا كان كثير من علماء اليهود والنصارى يؤمنون بأن محمداً رسول الله، وأنه صادق، ويقولون: إنه لم يرسل إليهم، بل إلى الأميين، لأنهم أعرضوا عن سماع الأخبار المتواترة والنصوص المتواترة، التي تبين أنه كان يقول: إن الله أرسله إلى أهل الكتاب، بل أكثرهم لا يقرون بأن الخليل بنى الكعبة هو وإسماعيل، ولا أن إبراهيم ذهب إلى تلك الناحية، مع أن هذا من أعظم الأمور تواتراً لإعراضهم".
ولاحظ أنه هنا ذكر التكفير، وحجة كل من ضيق العذر في باب إنكار العلو، أن هذه من المعارف الضرورية، وإن خفي أمرها على بعض الناس لا يخفى على من عرف النصوص أو الجدل.
ومحاولة بعض الناس دعوى الاتفاق على عدم تكفير منكر أو بعضهم دعوى ضعيفة جداً، وفيها من تتبع المتشابه وترك المحكم ما يدل على رقة الدين.
وأعلم أنهم سيتركون كل شيء ويتمسكون بما يسمونه (أدب خلاف) ولو كان السوفسطائية بيننا لكانوا أسعد الناس بهذا الأدب، لأنه يضمن ألا يبكته أحد على تلاعبه.
فإنه من المعلوم أن تكفير اللفظية الذين هم أهون من المخلوقية، والمخلوقية أهون من منكري العلو، ومع ذلك تكفير اللفظية ينقله الشيخ عن جماعات من أعيان السلف.
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (12/421): "وَأَمَّا الْبِدْعَةُ الثَّانِيَةُ - الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ تِلَاوَةُ الْعِبَادِ لَهُ - وَهِيَ " مَسْأَلَةُ اللَّفْظِيَّةِ " فَقَدْ أَنْكَرَ بِدْعَةَ " اللَّفْظِيَّةِ " الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتَهُ وَاللَّفْظَ بِهِ مَخْلُوقٌ أَئِمَّةُ زَمَانِهِمْ جَعَلُوهُمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَبَيَّنُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَقْتَضِي الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ تَكْفِيرُهُمْ".
=
=
ومعلوم أن اللفظية خير من الأشعرية بكثير، ومتقدمي الأشعرية خير من متأخريهم الذين أنكروا العلو. وقد وقع من بعض الحنابلة أنهم قالوا لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكانوا يقولون التلاوة هي المتلو، وصاروا يكفرون المخالف،واعتبروا كل مخالف لهم لفظياً، وبالتالي كفروه، فعتب عليهم ابن تيمية في ذلك، ورد عليهم. فجاء من ينزل هذا الكلام على غلاة الجهمية منكري العلو!
وابن تيمية نفسه ذكر قوما من الحنابلة يكفرون المرجئة وأهل الرأي مطلقا وانتقدهم وهذا نقد سليم لأن هذا ليس مذهب أحمد فيحمل كلامه على هذا ويقابل هؤلاء معاصرون لا يبدعون المرجئة ولا أهل الرأي ويبدعون من يبدعهم فهؤلاء يدخلون في كلام الشيخ بدلالة قياس العكس
وعلى فهمهم يصير من يكفر من يقول بخلق القرآن (بعينه) مبتدعاً أيضاً فالشيخ يقول في الاستقامة: "كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق وأنه فوق العرش، فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور".
ثم تكلم الشيخ على التفريق بين الإطلاق والتعيين، والذي جعله بعض الناس مساوقاً للقول بإسلام الجميع، حتى كبار العلماء والمنظرين. فما فائدة التكفير إذن؟
ويقول ابن تيمية في النبوات: "ولقد صدق الإمام أحمد في قوله: علماء الكلام زنادقة2.
وطريقة القرآن فيها الهدى، والنور، والشفاء؛ سماها آيات، وبراهين.
فآيات الأنبياء مستلزمة لصدقهم، وصدق من صدّقهم، وشهد لهم بالنبوة.
الأنبياء قد يتماثلون في الآيات
والآيات التي يبعث الله بها أنبياء، قد يكون مثلها لأنبياء أُخَر؛ مثل إحياء الموتى؛ فقد كان لغير واحد من الأنبياء".
من هم علماء الكلام إن لم يكن المعتزلة، والأشعرية، ونظرائهم؟ هذا النقل من الكتاب نفسه الذي يذكرون فيه أن الشيخ ترحم على كل علمائهم معتزلة؛ وكرامية؛ وأشعرية؛ وحنابلة؛ وسالمية، دون التنبه لكون هذه العبارات -خصوصاً في ذلك الزمان- لا تعتمد لوحدها، لكثرة إدخال النساخ، في هذا السياق يقول ابن كثير: "وَقَدْ غَلَبَ هَذَا فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَّاخِ لِلْكُتُبِ أن ينفرد عَلَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ دُونِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَوْ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ".
علماً؛ سياق كلام الشيخ في نقد مذهب الأشعرية في إثبات النبوات، وهناك فارق بين كونك تختار عدم التكفير لبعض الأعيان وكونك تراه بدعة، وبين كونك تختار عدم التكفير لبعض الأعيان وكونك تقول بإسلام الفرقة كلها، وأنهم مثل المرجئة والشيعة المفضلة.
وقال الشيخ كما في مجموع الفتاوى: "وأيضا فإنه لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله في الإسلام مقالة يكفر قائلها عموم المسلمين حتى أصحابه وفي التعميم ما يغني عن التعيين فأي فريق أحق بالحشو والضلال من هؤلاء؟ وذلك يقتضي وجود الردة فيهم كما يوجد النفاق فيهم كثيرا".
فكيف يستقيم مع هذا الكلام دعوى أن هناك فرقة كلامية محكوم بإسلامها بإجماع أهل الإسلام، فإن كان أهل الكلام من أهل الإسلام فلا يوجد إجماع على إسلام فرقة كلامية، وإلا كانت قضية متناقضة.
وقوله: (وفي التعميم ما يغني عن التعيين) جيد جداً لأن من كفر بالعموم لا يفتقر كلامه إلى الحديث عن كل معين.
والخلاصة: أنه لا اختلاف بين أهل الحديث في اعتبار عدد من مقالات الفرق الكلامية كفراً، ومن أشدها ما نازعوا فيه الضروريات.
ثم الحكم على جميع أعيانهم بعد ذلك مسألة تنازع فيها متأخري أهل الحديث، ولا شك أن من عذر المتكلمين في مخالفة الضروريات هو أعذر لمن نازع في عذرهم، وتلك ليست مسألة ضرورية.
ولكن بعض المنتسبين للعلم اليوم فيهم رقة دين ظاهرة من استعلاء بمعارف معقدة هم عاجزون عن تقريبها للناس، مما يشكك في معرفتهم التامة بها، مع هشاشة نفسية وحساسية أمام كل مناقشة علمية جادة، فتجده يقيم البكائيات أمام أي كلمة شديدة تقع في منتصف الحوار، مع لصوصية علمية يعرفها من خبر أحوالهم، وأنهم ليسوا مطلعين بما فيه الكفاية.
ثم مكر شديد بإبراز بعض الكلام دون بعض، وعدم وجود أبحاث كاملة فيها شرح لتفاصيل الأقوال، مع التنبيه للإشكالات المعاصرة التي تقود الأبحاث. وسميت الأمر مكراً لأنك إن أردت شرح مسألة على خلاف أهواء الناس تحتاج إلى تطويل، وهم يقتطعون اقتطاعات يسيرة استفادة من كسل الناس وأهواءهم، ورب العالمين المستعان وهو المسئول سبحانه أن يكفي المسلمين شر هؤلاء الناس.
ولو عنوا بدعوة أصحابهم من الجهمية والقبورية، وعالجوا الشباب الذين ابتلوا بالوسواس، والتخبط، بسبب النظر في كلامهم، وسماع بعض توصياتهم، لكان خيراً من الخوض بهذه الدقائق بكلام سطحي مكرور.
شهادة ابن تيمية على المتمسحين به بمخالفة الإمام أحمد...
اليوم تجد المرء لا يبدع أحداً، ولا يكفر أحداً، ويلزم الناس بذلك ويظهر ما سوى ذلك غلواً أو تشدداً أو على الأقل يسكت على من هذه حاله، ثم يذهب يتصفح في التراث، ويبحث عن أي كلمة تدعم هذه الرؤية. والواقع أنك لن تجد في التراث ما يؤيد هذا السلوك بحذافيره، فنعم قد تجد في كلام بعض أهل العلم ما يؤيد بعض هذه الرؤية لكن كلها؟
لا.
يخدع نفسه من يزعم أن تهوين الخلافيات العقدية اليوم، والنفرة من الأحكام الشديدة على المخالفين أمر مجرد عما يسميه البعض سلطة الثقافة الغالبة، أو المقدمات النفسية.
وهنا سأبين لك مثالاً على الاجتزاء الذي قادت إليه مقدمات نفسية مسبقة؛
لابن تيمية فصل يقارن فيه بين المذاهب الفقهية، ويبين فيه أن الحنابلة من أقل الناس بدعة، ولكنه بإنصاف كبير عرض لأخطاء الحنابلة وما يقع منهم، وهي الفتيا التي تكلم فيها عن كون بعض الحنابلة يزيدون في الإثبات، وتكفير المخالفين (فحملها بعض الناس على تكفير الأشعرية حصراً)
يقول الشيخ كما في مجموع الفتاوى (20/184): "المنحرفون من أتباع الأئمة في الأصول والفروع؛ كبعض الخراسانيين من أهل جيلان وغيرهم المنتسبين إلى أحمد وغير أحمد: انحرافهم أنواع: أحدها: قول لم يقله الإمام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم كما يقوله بعضهم من قدم روح بني آدم ونور الشمس والقمر والنيران وقال بعض متأخريهم بقدم كلام الآدميين وخرس الناس إذا رفع القرآن وتكفير أهل الرأي ولعن أبي فلان وقدم مداد المصحف. الثاني: قول قاله بعض علماء أصحابه وغلط فيه كقدم صوت العبد ورواية أحاديث ضعيفة يحتج فيها بالسنة في الصفات والقدر؛ والقرآن والفضائل؛ ونحو ذلك".
الشيخ هنا يشرح أن المنحرفين من أصحاب أحمد أحياناً يكون انحرافهم من خلال قول ما قاله أحمد قط، وذكر من الأمثلة (لعن أبي فلان) والمراد به لعن أبي حنيفة، وهذا ما ثبت عن أحمد، وهذا حق، وإنما ثبت عنه ذمه المجمل، ولهذا ابن تيمية قال: (لعن أبي فلان) ولم يقل (ذم أبي فلان) لأن ذمه ثابت عن أحمد، واللعن ورد عن غير أحمد من السلف، وأحمد يكره اللعن للأعيان.
وذكر من ضمن المسائل (تكفير أهل الرأي) ولم يقل (تبديع أهل الرأي) لأن التبديع ثابت عن أحمد حقاً، وسيأتي عن الشيخ مزيد تأكيد لهذا، ومن يقبل كلام السلف في إمام أهل الرأي لا يكفر أهل الرأي كأبي يوسف وغيره، ومن تكلم في بعض أعيانهم بالتكفير من السلف لم يتكلموا لأجل الرأي، وإنما لأجل التجهم، وسيأتي كلام الشيخ في أمر التجهم.
واليوم معلوم أن الناس ربما بدعوا الإنسان، وأخرجوه من السنة بمجرد متابعة أحمد في الذم والتبديع، فهذا صنف منحرف يقابل انحراف الصنف الذي ذمه ابن تيمية.
ثم قال الشيخ: "الثالث: قول قاله الإمام فزيد عليه قدرا أو نوعا كتكفيره نوعا من أهل البدع كالجهمية فيجعل البدع نوعا واحدا حتى يدخل فيه المرجئة والقدرية أو ذمه لأصحاب الرأي بمخالفة الحديث والإرجاء فيخرج ذلك إلى التكفير واللعن أو رده لشهادة الداعية وروايته وغير الداعية في بعض البدع الغليظة فيعتقد رد خبرهم مطلقا مع نصوصه الصرائح بخلافه وكخروج من خرج في بعض الصفات إلى زيادة من التشبيه".
هنا يذكر الشيخ الوجه الثالث من وجوه انحرافات الحنابلة، وفصل فيه الإجمال الذي يذكره كثيرون، فنبه على أن هناك أقوالاً قالها أحمد حقاً، ولكنهم زادوا فيها، وضرب أمثلة منها أن أحمد كفر الجهمية، فيأتي بعض أصحابه ويدخل في التكفير القدرية والمرجئة، فهنا الشيخ لا يعترض على تكفير الجهمية، وإنما يعترض على تكفير المرجئة والقدرية.
وفي مكان آخر من مصنفاته ينبه على وجود خلاف في القدرية، ولكن المرجئة لا تختلف الرواية عن أحمد بعدم التكفير.
قال الشيخ كما في مجموع الفتاوى (12/ 486): "ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقا روايتين حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك وليس الأمر كذلك وعنه في تكفير من لا يكفر روايتان أصحهما لا يكفر. وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لا يكفر مطلقا وهو خطأ محض".
وهنا أيضاً توكيد على هذا المعنى فهو يعني تكفير المرجئة، ثم إن بعضهم بالغ وكفر من لا يكفر المرجئة والقدرية! وعدم تكفير المرجئة عند ابن تيمية إجماع سلفي، ومن كفر بقول سلفي ما كفر به أحد دخل في حيز الابتداع.
وقال الشيخ كما في مجموع الفتاوى (7/507): "ولم يكفر أحمد " الخوارج " ولا " القدرية " إذا أقروا بالعلم؛ وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة؛ لكن حكي عنه في تكفيرهم روايتان. وأما " المرجئة " فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم".
فهذا الغلو في التكفير الذي ذمه الشيخ، والذي لا أصل له في كلام أحمد، وأما الكلابية ومن تفرع عنهم فالشيخ نفسه قائل بأن أحمد قال عنهم زنادقة (فإن قيل هذا حكم مطلق يتنزل على الأعيان بشروط فنقول حتى لو كان الأمر كذلك فهم رتبة أسوأ من المرجئة والقدرية)
=
=
ثم إن ابن تيمية ذكر بصراحة أن الإمام أحمد ذم أهل الرأي بالإرجاء؛ ومخالفة الحديث، وأهل الرأي هم أبو حنيفة وأصحابه، وهذه صفتهم. وهنا ابن تيمية يشهد لمن يذم هؤلاء بأن سلفه الإمام أحمد.
ولكن الشيخ نبه على أن ذم أحمد ما بلغ للتكفير واللعن، ومعلوم أن من تكلم فيه بالتكفير منهم إنما تكلم للتجهم لا للرأي أو الإرجاء، وابن تيمية في هذه الفتيا بعينها نبه على أن إمام مذهبهم اختلفت عنه الرواية في التجهم فقال: "فالمبتدعة المنتسبون إلى غيره إذا كانوا جهمية أو قدرية أو شيعة أو مرجئة؛ لم يكن ذلك مذهبا للإمام إلا في الإرجاء؛ فإنه قول أبي فلان وأما بعض التجهم فاختلف النقل عنه ولذلك اختلف أصحابه المنتسبون إليه ما بين سنية وجهمية".
فهنا ابن تيمية يقول أن المبتدعة المنتسبين للمذاهب الأربعة لا يمكنهم نسبة هذه المذاهب إلى أئمة مذاهبهم الفقهية إلا المرجئة مع أبي حنيفة فإنه كان مرجئاً حقاً (وهذا تبديع واضح للمرجئة الذين كان أبو حنيفة منهم)
ثم نبه على أن بعض التجهم روي عن أبي حنيفة، وهذا الموجود في الكتب القديمة من نسبة القول بخلق القرآن له، وهناك من يروي عنه الرجوع، ولهذا انقسم أتباعه إلى جهمية وسنية (يعني في باب الصفات)
وتأمل رقة الدين عند بعضهم، ينتشر في زماننا تهوين الخلاف مع أهل الرأي والمرجئة، حتى انتشرت عبارة (مرجئة أهل السنة) فلا تنقل هذه الكلمات لابن تيمية وتصير أشهر عبارة في الفتيا تلك العبارة التي يذكر فيها أن هناك حنابلة مبتدعة.
أعلم يقيناً أن عامة القراء ما كانوا يتخيلون أن ذاك النص الذي يذكر عن ابن تيمية هذا سياقه، وأن فيه اعترافاً واضحاً بأن مذهب أحمد ذم أهل الرأي بعلة الإرجاء؛ ومخالفة الأحاديث، وأن الاعتراض فقط على من يتجاوز للتكفير بعلة الإرجاء والرأي.
ولنسأل سؤالاً: ما دام ابن تيمية اعترض على التسوية بين الجهمية الذين أطلق الإمام أحمد تكفيرهم والمرجئة والقدرية الذين أشهر الروايات عنه التبديع، والتفريق بين الداعية وغير الداعية فهل الأشاعرة أقرب للمرجئة والقدرية أم للجهمية؟
يقول ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (6/358): "ثم أقرب هؤلاء " الجهمية " الأشعرية "
ويقول أيضاً: "وأيضا فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية - كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله" وسياق كلامه في الرد على العز بن عبد السلام.
فسياق كلام ابن تيمية ذم التسوية بين الجهمية والمرجئة من جهة تكفير الجميع، فيؤخذ ليستدل به على التسوية بين المرجئة وبعض فرق الجهمية من جهة عدم التكفير. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم إن الشيخ في هذه الفتيا قال كلاماً قد يفرح به الناقل المجتزيء وهو قوله: "أن يجعل كلامه عاما أو مطلقا وليس كذلك ثم قد يكون في اللفظ إطلاق أو عموم فيكون لهم فيه بعض العذر وقد لا يكون كإطلاقه تكفير الجهمية الخلقية مع أنه مشروط بشروط انتفت فيمن ترحم عليه من الذين امتحنوه وهم رؤوس الجهمية".
فهنا الشيخ يذكر من أخطاء الحنابلة أن يكون في كلام الإمام إطلاق أو عموم، فيأخذونه على إطلاقه دون مراعاة التخصيصات.
وذكر لذلك مثال تكفير الجهمية، فأحمد كفرهم مطلقاً وعموما، وقال ابن تيمية أن هذه الإطلاقات قد يكون للحنابلة عذر في الأخذ بها (فالشيخ يقيم العذر، والمجتزئون لا يقيمون العذر، فالعذر عندهم فقط في أسماء الله وصفاته)
ولكن أحمد ترحم على جهمية وهم رؤوس (يعني المعتصم) وحتى هذا النص فيه شهادة على المخالفين بمخالفة أحمد، فهم إن كانوا يقيسون الأشاعرة على الجهمية الخلقيو بجامع أنهم كلهم أهل كلام وتكلموا بالكفر، فعليهم أن يجيزوا إطلاق التكفير في الأشعرية، كما أطلق أحمد التكفير في الجهمية، وهذا عندهم اليوم علامة خارجية.
ثم عليهم أن يقولوا أن بين الأشعري والكفر توفر الشروط وانتفاء الموانع، بمعنى أنه لو قامت عليه الحجة فإنه يكفر كما نص ابن تيمية على أن أحمد كفر معينين من الجهمية الذين عذر بعضهم.
ومن الناس من ناقش كلام الشيخ بأن الإمام أحمد ثبت عنه تكفير المأمون مع أنه ما التقاه، وفتاويه في ترك الصلاة خلف الجهمية؛ وترك الصلاة عليهم؛ وترك توريثهم، كانت عامة، ومنزلة على أعيان، وتعلل بكفرهم فكانوا يسألون أحمد (جهمي مات هل يرثه قرابته) فيجيب بالنفي مع أنه ما يعرفه بعينه، وأما المعتصم فمنهم من نسبه للرجوع، ومنهم من شكك في صحة روايته.
وهذا خلاف في فهم كلام أحمد، كأي خلاف في المذهب من بنى عليه تبديعاً أو تكفيراً فقد أبعد النجعة.
والخلاصة: هذه الفتيا فيها التنصيص على أن أحمد بدع المرجئة، وذم أهل الرأي، وأطلق تكفير الجهمية لمجرد قولهم بخلق القرآن. واليوم كل واحد من هذه الثلاثة تعتبر غلواً فإن كان الشيخ ذم الحنابلة الذين زادوا على أحمد، فالحنابلة الذين نقصوا عنه وبدعوا بمقالات الإمام أيضاً مذمومون.
=
=
وابن تيمية مع قوله أن الإمام أحمد اشترط توفر الشروط وانتفاء الموانع في تكفير الجهمي المعين، يقول أن الإمام أطلق تكفيرهم ولا توجد عنه روايتان في المسألة. وعليه فابن تيمية عنده العالم الذي يفرق بين الإطلاق والتعيين مكفر لهذه الفرقة.
واليوم تجد أحدهم يذم شخصاً فيقول (هذا يكفر الأشعرية) ثم تجد هذا الشخص نفسه يقول بأن الأشعرية قولهم كفر، وأن المرء إذا قامت عليه الحجة منهم يكفر، ثم يعرف نفسه بأنه (لا يكفر الأشعرية) ولو كان على طريقة ابن تيمية الذي قال تكفير الجهمية عن أحمد رواية واحدة، وإن عذر بعض أعيانهم لعرف نفسه بأنه (يكفر الأشعرية) بمعنى أنه يعتبر قولهم كفراً، ويرى أن من قامت عليه الحجة منهم يكفر. وهذا مذهب ابن تيمية نفسه في فروع الجهمية، ولهذا دعوى أنه لا يكفرهم مطلقاً هو خلاف لعرفه ومصطلحه.
ولن يقنعني منك كثرة الحديث عن أدب العلم؛ وكيفية تحصيل العلم؛ ومشقة البحث العلمي، إن لم أرك باحثاً جاداً لا تهاب أي نتيجة علمية، وتبين مشكلات الساحة العلمية، سواءً كانت غلواً أو جفاءً، لا أن تستأسد على ما تراه غلواً، وتضعف أمام الجفاء، بل تبرره. هذه رقة دين، وإن كان لك مذهب معين فهذا شأنك، ولكن العالم ينقل كلامه كله وبسياقه حتى يفهم ويضبط الباب، سواءً وافقناه أو خالفناه.