=
=
أقول: لاحظ أن معاذًا يقول إن المنافق قد يقول كلمة حق وإن العالم يقول كلمة باطل، ولا شك أن مجموع أهل الإيمان لا يند عنهم حق، ولكن في مسألة معينة في زمان معين قد يزلّ عالم مؤمن ويصيب منافق الحق، ويكون هذا المنافق له سلف من أهل الإيمان.
وبناءً عليه يجوز أن يتكلم المنافق بما ينتفع به بعض أهل الإيمان، ولا يكون ذلك من باب تزكيته المطلقة، بل من باب "إن الله ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر".
والانتفاع لا يعني الثناء والتوقير والتعظيم بحيث يغتر به الناس، ولكن يقال: أصاب في هذه، وكثير من الناس يخلطون بين المقامين، ولو وُجد مؤمن تكلم بالحق نفسِه كان إبرازه أولى.
المثال الثالث: قال تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}.
هنا انتفع الأنصار بما أخبر به اليهود عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع كون أكثر اليهود كفروا، وهذا يشبه اعترافات كثير من أهل الأهواء بمخالفة مذهب السلف لمذهبهم أو اعترافهم أن متقدميهم كانوا على غير عقيدتهم، فهذا ينتفع به أهل الإيمان ولا يلزم منه تزكية صاحب الباطل أو تزكية عقيدته، فضلًا عن أن تُجعل هذه التزكية استدراكًا على أحكام السلف في بدعة هذا الشخص.
المثال الرابع: للمعتزلة كتب في إعجاز القرآن، ككتاب الرماني مثلًا، وكتب في الرد على الزنادقة، كرد الجبائي على ابن الراوندي، وكتب في الرد على النصارى، كرد الجاحظ عليهم، وكتب في الرد على الرافضة، وكتب في دلائل النبوة، ككتاب القاضي عبد الجبار، وكتب في البلاغة والنحو والتفسير، ككتب الزمخشري.
بل حتى الفلاسفة لهم جهود علمية قد ينتفع بها بعض أهل الإيمان، كردود ابن سينا على غلاة الطبائعيين ونفاة النبوة (مع كون ردوده تحوي انحرافات)، وككتب ابن رشد في الفقه، وهو فيلسوف معروف.
لا أعرف أحدًا من الحنبلية أو أهل الحديث أو الأشعرية أو الماتردية جعل وجود هذه الكتب وانتفاع بعض الناس بها (مع أنها فيها انحرافات ولا يطلع عليها غير المختص) سببًا في إنكار الوارد عن كثير من السلف من تكفير المعتزلة أو الفلاسفة، ولا طُرح هذا الإيراد في نقاشات التكفير أصلًا، بل كان النقاش هل مخالفتهم ظاهرة أم خفية؟ فحسب.
ولهذا لا أعرف أشعريًّا ممن لا يكفّر أهل السنة يورد على الأشعري الذي يكفّر أهل السنة جهودَ أهل السنة العظيمة في عامة العلوم، لأنهم يعتبرون قاعدة أن الانتفاع لا يقتضي التزكية المطلقة، وهذا الحوار في التكفير فما بالك بالحوار في التبديع.
المثال الخامس: معمر بن المثنى عالم لغوي كبير اعتمده البخاري في التفسير من صحيحه مع أنه لا يُعتد بحديثه لأن المحدثين أثنوا عليه في اللغة، ومع ذلك قال ابن قتيبة: «كان الغريب وأيام العرب أغلب عليه، وكان لا يقيم البيت إذا أنشده، ويخطئ إذا قرأ القرآن نظراً، وكان يبغض العرب، وألَّف في مثالبها كتبًا، وكان يرى رأي الخوارج».
وكثير من شراح الصحيح يزعمون أن البخاري يكفر الخوارج، نسب إليه هذا كثيرون، ولا شك أنه يبدّعهم، ومع ذلك انتفع من أبي عبيدة معمر بن المثنى في غريب القرآن لاتفاق الناس على تزكيته في هذا الباب.
ولا يوجد أحد إذا ذُكرت مثالب الخوارج وحُكي خلاف العلماء في تكفيرهم يقول: وماذا عن معمر بن المثنى العالم الكبير؟
المثال السادس: حديث "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وموطن الشاهد فيه واضح.
=