كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ينظر كثيرون إلى الغرب على أنهم رائدون في حرب العنصرية..

المصدر
ينظر كثيرون إلى الغرب على أنهم رائدون في حرب العنصرية.. والواقع خلاف ذلك بل هم أول من أعطى سندا عقلانيا وأخلاقيا لإبادة الأعراق الأخرى أو التعامل معها بدونية ، فالابادات الشهيرة في تاريخهم لم تكن ( نزوة ) بل كانت ناشئة عن عقيدة مادية تؤمن بأفضلية العرق الأبيض لهذا محاولة إظهار النازية والفاشية على أنها شذوذ وجموح وغير مستندة إلى منهجية مألوفة هو ما يسعى إليه الغربيون وأذنابهم ولا يصدقه أهل الفطنة من الناس يقول دارون في كتابه أصل الإنسان ص ١٧٤وهو يتكلم عن الحل الأمثل للتعامل مع الهمج (كما يسميهم) ولماذا "لكن أعظم الحجج ثقلا ضد معاملة الأعراق الآخرى ككائنات مختلفة، أنه بامكانهم التأهل الى بعضهم البعض، باستقلالية في بعض الحالات، على حسب ما يمكننا الحكم عليه من اختلاطهم ببعض. الانسان تمت دراسته بدقة أكثر من أي حيوان آخر، لكن ما زال يتواجد ما قد يُحتمل ان يكون أشد اختلاف بين القضاة المتمكنين في اعتبار جنس الانسان بأنه واحد أو اثنان (رأي فايري) أو ثلاثة (رأي جاكوينوت) أو أربعة (رأي كانت) أو خمسة (رأي بلومنباش) أو ستة (رأي بفون) أو سبعة (رأي هنتر) أو ثمانية (رأي أغاسيز) أو احدى عشر (رأي بكرنج) أو خمسة عشر (رأي بوري قسيس فنست) أو ستة عشر (رأي دسمولنز) أو اثنان وعشرون (رأي مورتن) أو ستون (رأي كروفرد) أو ثلاثة وستون (رأي بيرك)." داروين هنا يقول ان مسألة اعتبار الهمج من الجنس البشري مسألة غير واضحة باعتبار اختلاف تعدد أجناس الانسان بين القضاة المتمكنين (كما يسميهم) ولكنه يضع بصيص أمل لهؤلاء الهمج لانهم لعلهم يتطوروا بعد ملايين السنين (كما في ما يسميه العصور البدائية) وموضوع كلمة race وهي العرق، أول من اشتهر انه استخدمها كان رّحالة فرنسي اسمه فرنسوا برنير وهو ايضا فيزيائي حيث يقال بأنه أول من فرق بين الأجناس بأنهم ليسوا جنس بشري واحد، والمضحك أن هذا الرحالة نفسه بعدها ذهب الى الهند وأصبح تحت حماية دنشمند خان أحد كبار الشخصيات في امبراطوية المغل وكان يحاول مداهنته ليقرأ كتب ديكارت وغاسندي حيث قام بترجمتهم له الى الفارسية وأيضا هذا الاختلاف الشديد في اساسيات ما يبنون عليه القوم يذكرني بكلام ابن تيمية في اختلاف اهل الكلام بعدد الجواهر( التعليق على كلام دارون لأحد الأخوة ) يقول كانط في كتابه الملاحظات observations في صفحة ١١٠: "السود الأفارقة بطبيعتهم لا يمتلكون أحاسيس تتفوق على العبث. هيوم يتحدى أي أحد أن ينقل مثال واحد يشير إلى أن السود لديهم مواهب، بل يثبت أن من بين مئات الألوف الذي تم نقلهم الى دول أخرى، على الرغم من أن كثير منهم تم تحريره، إلا أن لم يوجد منهم ولا واحد قد عرض شيء عظيم سواء في الفنون أو العلوم أو أي ميزة محمودة. إلا أنك تجد كثير من البيض مازالوا يرتقون من أدنى مراتب الرعاع وبمواهب متفوقة يكسبون احترام العالم" ومن ثم يكمل في الصفحات ١١١-١١٤ ويقول: "بل الفارق بين السود والبيض أساسي جدا لدرجة انه يبدو ان اختلافهم في القدرة العقلية كاختلاف لونيهم" ويُكمل كانط تنظيره فيقول: "فالبرهان الواضح أن ما يقوله الأسود هو غباء، هو أنه أسود من رأسه الى أخمص قدميه" وهنا كانط يعطي نصيحة لأحد أصدقائه في كيفية معاقبة الأسود، ففي كتابه الجغرافيا المادية physical geography يذكر: "استعمل عصاة الخيزران المُقطّعة بدلا من السوط لكي يشعر الأسود بآلام عظيمة (بسبب سُمك جلد الأسود فيحتاج الى الجروح من الخيزران المقطع) ولكن من غير أن لا يموت" مخترع المصباح البصلي أسود وكذلك الإشارة المرورية ولكن لعلهم يعبرهم شذوذا يؤكد القاعدة ولو تكلم شخص عن النساء بهذه الطريقة لانتقدوه هو من دارون (علم ) ومن ( كانط) رؤية فلسفية وعندنا في ديننا لقمان الحكيم الذي سميت سورة باسمه كان أسود وكأنها رد على كانت قبل أن يولد ( ما يقوله الأسود هو غباء ) وهنا أذكر طرفة قال يحيى بن بكير : سمعت الليث يقول : قال رجل ليزيد بن أبي حبيب : يا أبا رجاء ليت الناس كلهم مثلك فقال : إذا يكونون كلهم سودان ! [ الجرح والتعديل 9 / 267 ] يزيد عالم مصر في زمانه ومدخل الحديث إليها وكان نوبيا والعجيب أن المصريين على كثرة افتخارهم بأعلامهم عامتهم يجهله الْيَوْم ويعرفون طواغيت الفراعنة والساقطات أمثال ( كيلوبترا ) ولكانط كلام كثير في احتقار كل الشعوب سوى العرق الأبيض وتبرير ما فعلوه بهم وهذا يشبه فلسفة إيرنست رينان الذي قال أن الحرب مرفوضة بين الأعراق المتساوية ولكن غزو العرق الأدنى هذا أمر معقول ( يعني بمنزلة أكلك للحيوان الداجن ) ولا يمكن لأحد أن يُؤْمِن بالفلسفة المادية ( وهي قائد العلوم التجريبية في الغرب ) أن ينتقد الطرح العنصري بغير الكلام العاطفي والا فالفلسفة المادية وما تفرع عنها من بيولوجيا تطورية تعضد العنصرية بقوة، وسيأتي المابعدحداثي ويقول: لا أحد يمتلك الحقيقة في هذا النزاع ! آية يرتجف لها القلب مهابةً (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) غير أنه سبحانه رأف بعباده فقال بعدها: (واعلموا أن الله غفور حليم) ولكن هذه الآية جاءت في أي سياق؟ قال تعالى : (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علِم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرًّا إلا أن تقولوا قولًا معروفًا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلَم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم) جاء هذا الخطاب المتوازن بين أشد الترهيب وألين الترغيب في سياق الكلام على أمر في العلاقة بين الجنسين واليوم كثير من الناس يحركهم الشهوة إلى الجنس الآخر ولكنهم يسترون ذلك تحت ركام من التبريرات والفلسفات وتتبع الرخص في بعضهم فهذا أنفع ما يقال له: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) وأشد ما يحذر -بعد عذاب الله- أن يكشف سترك (والواقع أنه مكشوف لأهل الفراسة الصادقة) فيشمت فيك وينتهرك حتى من هو في الباطن مثلك. وكثيرون انزلقت أقدامهم في معاصي ومخالفات وكان مبدأها من الترخص الزائد مع الغفلة أو التغافل عن النار التي تحت الرماد فلما وقع منه ما وقع أصابته حيرة هل يستمر ويبرر ويلتحق بالصنف الأول أم يستغفر ويتوب فهذا يقال له: {واعلموا أن الله غفور حليم} من أحسن القواعد التي تعلمناها من الشيوخ قاعدة: القدر يُستدل به على المصائب ولا يستدل به على المعائب بمعنى أنك إن وقعت لك مصيبة تقول : قدر الله وما شاء فعل وتصبر وتحتسب لا أنك إن وقع منك ذنب تستدل بالقدر وتقول : قدر علي هذا الذنب . لتتخذ ذلك ذريعة للاستمرار على المعصية فإن وقع منك ذنب وتبت منه وكان قد ترتب عليه مصيبة فقل في المصيبة : قدر الله وما شاء فعل ، وتب من الذنب وبهذا وجه احتجاج آدم بالقدر في قصة محاجته لموسى عليهما الصلاة والسلام وهذه قاعدة جيدة لضبط الباب وكان قد أهمني أن أقف عليها في القرآن بدليل جامع لا من مجرد الاستقراء ولعل ما في آيات النساء يدل على بغيتي أعني قوله تعالى : ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) ثم بعدها جاءت الآية : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فسبحان الله كيف جاء الأمر في الآية الأولى ( قل من عند الله ) ثم في الآية التي تليها ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) والأعجب من ذلك أنه بعدها جاءت الآية : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) وكأنها إشارة إلى أن ما تظنونه اختلافا يزول بالتدبر وينقلب الشك يقينا وقد تعددت عبارات المفسرين في بيان مأخذ الآيتين وعامة كلامهم طيب غير أن المأخذ أن يتم إعمال قاعدة ( المصائب والمعائب ) فالآية الأولى كانت خطابا للمنافقين والمنافقون كل ما يهمهم أمر الدنيا فهم يتكلمون عن المصائب الدنيوية ويتطيرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويحملونه حمالة الهزيمة أو ما يصيبهم من أذى وبلاء وذلك لأنهم نسوا الأجر الأخروي بل هم غير مؤمنين به أصالة ثم إنهم إذا أصابهم خير من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أرجعوا الأمر للقدر المحض وكأن القدر يأتي بلا أسباب فقط لكي لا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم فضل عليهم وهذا يشبه حال الفاسدين الذين إذا رأوْا خيرا في الناس سببه أهل الدين أو مجاورتهم والتأثر بهم قالوا : هو من الإنسانية ! لا فضل للدين فيه وإذا صار في الناس شر قالوا : هذا سببه الدين ! ثم الآية التي تليها تخاطب أهل الإيمان الذين يؤمنون بالقدر على وجهه الصحيح ويؤمنون بتأثير الذنوب ولا يرجعون الأمر إرجاعا كليا للأسباب الدنيوية كما هو حال المنافقين فقيل لهم ثمة ذنب وقع منكم وبسببه حصل ما حصل فالأمر ليس سوء تدبير وإنما هو ذنب يستوجب التوبة فإن تبتم بقيت المصيبة فهذه الصبر عليها والتسلي هو المتعين ، وإن أطعتم الله فحسنة الدنيا والآخرة فالآية الأولى متعلقها المصائب التي لا يلام عليها المرء شرعا في نفسها وإنما ينظر ماذا سيفعل تجاهها وبذلك يتعلق المدح والذم والآية الثانية متعلقها الذنوب والطاعات وهذه مخاطب بها العبد ويتعلق به المدح والذم ثم الربط بين هذه الذنوب وما يترتب عليها فالمصيبة المترتبة على معصية هي من نفس العبد لأنه عصى بإرادته وهي من عند الله ( لأنه هو من عاقب عليها ) والمنافقون ما أرادوا هذا المعنى حين ألقوا اللوم على النبي فهم أعصى الخلق بل أرادوا لومه على التدبير مع تبرئة أنفسهم من كل تبعة ، والطاعة من عند الله على كل حال لأنه الآمر بها المرغب والمثيلة والمتفضل على العبد بأن فرضها عليه ميسرة مقدورة بلا عظيم كلفة ولا يخفى ما في الآية من إثبات أفعال للخالق في واقع العباد وإثبات أفعال للعباد وفِي ذلك الرد على القدرية والجبرية ولتفصيل مذهب أهل السنة مقام آخر والمراد هنا إيضاح القاعدة والآيات وتناقض أهل النفاق في نسبة الأسباب ومذاهبهم في حصر الأسباب في الدنيوية ( إن شاءوا ) كما هو حال المبطلين الْيَوْم إن كلمتهم بطاعة الله وأنها من أسباب النصر أحدثوا فصاما نكدا بين بذل الأسباب وطاعة ( مع أن هذا البذل من طاعة الله وليس هو كل طاعة الله ) وأرجعوا الامر لحذق البشر مطلقا وجعلوه علة تامة وَيَا ليت شعري لماذا حذق بعض البشر وبعضهم لم يحذق أليس هذا كله بتوفيق الله وعدله يستدرج هذا ويفتن هذا ويمكن هذا ويعز هذا ويذل هذا ويسلط هذا على ذاك وذاك على هذا وله في كل ذلك حكمة ولا سبيل إلى تحصيل حسنة الدنيا والآخرة الا باتباع الوحي فإذا تركنا الوحي صرنا كغيرنا وصار الأمر حقا عائدا إلى الحذق بل ربما صارت هزيمتنا متعينة لأننا لو غلبنا ونحن نحرف الدين لكان في غلبنا فتنة للضعفاء وبابا للتصديق أن تحريف الدين هو السبيل للظفر بالعدو وتلك فتنة أعظم بكثير من مجرد فتنة تسلط العدو والمنافقون الأوائل خير ممن تأخر فهم على الأقل يرجعون الحسنة لله وأما هؤلاء الْيَوْم فكل حسنة عندهم راجعة إلى أوليائهم ومقدسيهم من الغربيين.