كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بآية واحدة أقام الحجة على غيلان الدمشقي!

المصدر
بآية واحدة أقام الحجة على غيلان الدمشقي! قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/ 173) : "والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه، وناظروه وبينوا له الحق، كما فعل عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه، ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه". هنا شيخ الإسلام ينص على أن عمر بن عبد العزيز أقام الحجة على غيلان الدمشقي، فكيف فعل؟ قال الآجري في الشريعة: "515- وأخبرنا الفريابي قال: نا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي قال: نا محمد بن عمرو الليثي، أن الزهري حدثه قال: دعا عمر بن عبد العزيز رحمه الله غيلان فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم في القدر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم يكذبون علي؟ فقال: يا غيلان، اقرأ أول يس فقرأ [ص:921]: {يس والقرآن الحكيم} [يس: 2] حتى أتى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [يس: 8] فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم، أشهدك يا أمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول، فقال عمر: اللهم إن كان صادقا فثبته، وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين". تلاحظ أن الحجة قامت بتلاوة آيات من سورة يس، تتضمن أن الله يضل عباداً له بعدله وحكمته، وهنا ينتقض بناء القدرية الذين اتفقوا على اختلاف مراتبهم على نفي هذا المعنى. إقامة الحجة بتلاوة آيات من كتاب الله عز وجل معنى يتناسب مع التقدير السلفي لكتاب الله عز وجل وقولهم: ما من مبطل إلا والرد عليه في كتاب الله. والقرآن هدى ونور وشفاء لما في الصدور، لذا لا يستبعد أن يستخرج منه العلماء حججاً لدمغ أهل الباطل وتكون مفهومة، قال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر:22]. فكيف يتوافق هذا مع ما يدعيه البعض من أن الإمام أحمد وهو أعلم أهل زمانه بالكتاب والسنة ناظر الجهمية الذين هم شر من القدرية ثلاثة أيام وما أقام الحجة عليهم، بل محمد بن سماعة أحد مجرميهم ممن حرض على قتله بعد المناظرة هو مثال للمسلم المعذور عندهم (ولي رد سابق على هذا كله)؟ ليس الأمر كذلك فحسب، بل غالب الجهمية على مر الزمان حتى الذين تكلموا بإنكار العلو صراحة وكان يستتر منه أوائلهم ما أقيمت الحجة على عامتهم من علماء ومتكلمين، مع أن كلامهم في نفسه كفر أكبر، وجدلهم مع علماء أهل السنة كثير. وإن قيل أن غيلان اعترف بالحق ثم رجع، فيقال يجوز عليه أن تكون ظهرت له شبهات جديدة وأجوبة عن أقوال غيره، شأنه شأن أهل الكلام الذين يحدثون في كل جيل من الأسئلة السوفسطائية ما لم يكن فيمن تقدم منهم. هذا سياق مرتبك غاية لا ينتبه إلى ما فيه من إشكال من يتعامل مع آثار السلف الكثيرة في الأحكام على المخالفين، وكأنها صائل يجب دفعه بأي شيء قرب وبعد، لذا تستروح نفسه لأي جواب مهما كان ضعيفاً ومضطرباً. بعض الناس يستبطن أن بعد المتكلمين عن النصوص وجعلهم لها بالرتبة الثانية في الاستدلال بعد الدليل العقلي، وممارستهم التحريف للنصوص بناءً على قواعد كلامية هو مناط توسيع عذرهم، مع أن هذا عينه سبب ذم السلف لهم ذماً شديداً تجاوز ذم الفرق الأخرى الذين شبهاتهم ليست كلامية، الإعراض عن النصوص ذنب وليس عذراً بل هو من أعظم مناطات إسقاط العذر {ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف:37]. بعض الناس لما تكلموا في مسائل الشرك الأكبر وقرروا العذر بالجهل ما أحفظ الناس ذلك بقدر ما أحفظهم ما صدر منهم من إنكار للفرق بين الظاهر والخفي مطلقاً، والجاهل العاجز وغير العاجز، والتسوية بين الحكم الدنيوي والأخروي مطلقاً بما لا يتناسب مع قول أهل السنة في أهل الفترة، فصار مناط عذر الواقع في الشرك أنه يدعي لنفسه الإسلام، وهذه مصادرة على المطلوب! فلو كان لا يدعي الإسلام لما اختلفنا فيه أصلا. وبنفس المنهج تكلموا في قضايا تكفير الجهمية، أطلقوا مصطلح قيام الحجة ثم هو ضبابي تماماً لا يوجد أي أمارات تدل على حضوره أو حتى احتمال حضوره، فلا اشتغال المرء بعلم الكلام وتقديمه ولا اشتغاله بالعلوم الشرعية، ولا زيادته في الضلال على من تقدمه، ولا حتى مناظرة علماء أهل السنة له كافية بقيام الحجة، أو حتى وجود خلاف معتبر في وجودها، فعاد الأمر إلى اعتراف المتكلم بنفسه، ولو اعترف لكان تائباً والتائب ليس محل بحثنا! فانتهينا إلى المصادرة على المطلوب.