كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ما أحوجنا إلى آباء مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه..

المصدر
ما أحوجنا إلى آباء مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. اليوم أغمضت عيني وأنا أفكر بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقارنه تارة بنبي الله موسى الذي كان شديداً في الحق وتارة بطالوت الذي أوتي بسطة في العلم والجسم؛ ولما استيقظت تفاجأت بأن بعض الشباب جاء بحديث الإيلاء المشهور في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليستدل بذلك على جواز هجر المرأة لزوجها في فراشه! فنبهه الناس أن الحديث فيه [وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل]، وأن هذا فهم من عدد من الشراح أنهن لا يهجرن فراشه ليلاً وهن أجل من ذلك بكثير ومحبتهن للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم من هذا الظن السوء، ونبهوه أيضاً أن عمر بن الخطاب أنكر على ابنته ووعظها وأن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهن شهراً وقد ظن الناس أنه طلقهن، واغتم المسلمون لذلك جداً حتى يقول عمر في الخبر: (فخرجت فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم) وهذا من شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم يتكدرون لما يكدره حتى أن بعضهم وهم الرجال الشداد يبكي لذلك! وسبحان الله مثل النبي صلى الله عليه وسلم لا يهجر في حق وهو لا يسكت على باطل وإنما تجاوز عن حقه يسيراً رجاء الفيئة من أمهات المؤمنين ثم بعد ذلك هجرهن تنبيهاً لهن على ما ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم. ومن أراد أن يستنبط من الآيات أو الأحاديث فلا بد أن يكون المعنى الذي يستنبطه مما قال به العلماء المعتبرون بالجملة ثم هو يعضد مقالاتهم باستدلالات جديدة، وإذا جاز في عقولكم أن يضل علماء على التمام في الدين والورع والتقوى والتحري في أعظم أبواب الدين وهو باب الأسماء الصفات وباب الإيمان وباب القدر تأثُّراً بالمنطق الأرسطي حتى يتكلموا بما ظاهره الكفر والإزراء على الوحي فأنتم والحال هذه يجوز عليكم من باب أولى التأثر بثقافة سائدة في زماننا وهي فاسدة في أصلها بتأثر هو دون تأثر القوم بالمنطق الأرسطي! بعيداً عن هذه الجلبة كلها شغفني كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنته، وقد لاحظ البخاري هذا الأمر فبوَّب عليه باباً ينبِّه به الآباء لسلوك عمر بن الخطاب.. فقال البخاري: ”باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها“. وهو يعني قول عمر: ((أي حفصة، أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة-)). فقد يقول قائل: هذا لأن زوج حفصة هو النبي صلى الله عليه وسلم. فيقال: نعم لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم له خصوصياته، غير أن لنا به أسوة، وما توجد امرأة اليوم تبلغ عشر مكانة نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في حلمه وتقاه وسعة صدره أغضبه بعض ما يجد من أهله فلا تأمن امرأة كل الأمن بعد ذلك تعويلاً على محبة الزوج! ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابنته هو ما ينبغي أن يفعله الآباء اليوم في زمن التخبيب المقنن، فالقوانين تخبيبية والإعلام تخبيبي، وعقدة المظلومية بل والنرجسية مشتعلة في عدد من النساء. وأكثر ما يقطع الطريق على الشيطان هو أن تُنبِّه هذا الشخص الذي عنده استعداد تام لعقدة المظلومية لِمَا للطرف الآخر من محاسن وحقوق وتنبِّهه على أن الإفراط في التكثر من الشخص الآخر قد يضجره فتفقده تماماً، وما أكثر حالات الطلاق التي بُنيت على هذا الأصل. فعدد لا بأس به من النسوة اليوم تنظر لحقوقها هي فقط وتظن أنَّ على الطرف الآخر أن يأتي لها بما تريد وإلا فهو ظالم، ومن خلال هذا النفَس الاستحقاقي يكون الحديث عما يسمونه (اغتصاباً زوجياً) أو نحوه من باب صب الزيت على النار، ولهذا فعل عمر بن الخطاب يَصلُح أن يكون أصلاً مقيساً عليه في ضبط البيوت وقطع الطريق على الاستحقاقية وعقدة المظلومية التي هدمت كثيراً من البيوت. علماً أن أمهات المؤمنين ما كان عندهن هذا، وإنما كان الأمر دلالاً وغيرة، غير أن علاج هذا الأدنى يصلح علاجاً للبلاء الموجود اليوم.