يحيى بن معاذ الرازي مظلوم آخر في زمن المهاترات والمناكفات
يحيى بن معاذ الرازي مظلوم آخر في زمن المهاترات والمناكفات
عادل الرفوش شاب مغربي نشأ ضمن سياق السلفية المعاصرة ثم إنه انفصل عنها بعد بعض الأحداث السياسية في المنطقة ثم تطور الأمر معه إلى سياق مناكفي عجيب أدخل معه موضوع العقيدة
وهو مثله مثل غيره ممن يعظمون جداً السياقات السياسية الحديثة ويبدأون البحث منها ويبنون عليها ( والواقع أنها هي مبنية على غيرها ولا بد من النظر في المقدمات العقائدية والسياقات لكي نحصل على حلول ناجعة )
يحرصون أشد الحرص على تمييع الخلاف العقائدي بين الطوائف المختلفة في باب الأسماء والصفات والإيمان والقدر والنبوات ومصادر التشريع ومسائل توحيد الألوهية فيتبنون الرؤية الشاذة القائلة بأن الفرق المختلفة في هذا من أشاعرة وماتردية وأثرية كلهم أهل سنة
وتبني هذا النظر دافعه أنهم يرون أن الخلافيات العقائدية تعيق من النجاح الدنيوي المنشود في مشاريعهم التي بنوا أهدافها على أساس محاكات للمشاريع الحداثية التي يرونها ناجحة
ولما كانت السلفية فاشية في زماننا صاروا يتطلبون كسر أهلها نفسياً ومعنوياً ليقبلوا بالتنازل عن البحث العقائدي لأجل أهداف دنيوية مضنونة وتحت هذا الضغط صاروا يتكلفون المبالغة في التشويش على المنتسبين للسلفية المعاصرة
وربما وجد في بعض المنتسبين للسلفية من يسعى لإصلاح الحال العلمية إما لكونه يراها لم تصل إلى الحد المطلوب من متابعة السلف مع كونها أفضل الموجود ، ومنهم من يرى قصورها عن الأعراف الأكاديمية والتي يعاملها معاملة القواعد المستفادة من النصوص
فيأتي هذا الحركي الساخط من أمثال عادل الرفوش فيجمع لنفسه مادة من اعتراضات المخالفين على السلفية وينتقي ما يراه قوياً وانتقادات المنتسب للسلفية الذي يرغب بإصلاح الحال العلمية أيا كانت مقدمته
وفي كثير من الأحيان تكون المنشورات في هذا السياق المقصود منها تهييج الغوغاء ولا يراد بها نصح ولا تبيين فطريقتها تكون بعيدة عن العلم ، ويستفيدون من بعض النفسيات المنتشرة بين العامة فمثلاً العامة اليوم بفعل الثقافة الحديثة عندهم إحسان ظن مفرط في البشر وإساءة ظن في البينات الشرعية ويحبون المبالغة بالخطاب الإعذاري والمحايد خصوصاً في القضايا العقائدية التي لا يرون فيها مدخلاً لدنياهم هذا حال العامة إلا قلة موفقة
وأيضاً يفشو بين الكثير من العامة نفس وطني يستوجب نفرة أصلية من بعض الأفكار لكونها قادمة من البلد الفلاني أو البلد الفلاني وهذه طريقة كان يستخدمها العالمانيون فتجدهم في بعض البلدان يقولون ( النقاب عادة سعودية ) وفي أخرى يقولون ( النقاب عادة تركية عثمانية أو أفغانية ) ومع الأسف هذا الضرب من الباحثين الحركيين لهم تأثر ظاهر بأساليب العالمنيين
والآن لنأتي إلى المقصود نشر عادل الرفوش هذا الأثر من حلية الأولياء قيل ليحيى بن معاذ: أخبرني عن الله ما هو? قال: إله واحد. قال: كيف هو? قال: مالك قادر. قال: أين هو? قال: بالمرصاد. قال: ليس عن هذا أسألك، قال يحيى: فذاك صفة المخلوق فأما صفة الخالق فقد أخبرتك.
.
ومقصده من نشر هذا الأثر بيان أن مسألة العلو ليست كما يصورها السلفيون بل هناك من كان لا يرى الكلام فيها ويحيى بن معاذ ليس من العلماء وإنما هو من الزهاد ولكنه ذكر كلامه وربطه بالجنيد لاشتهار تلك العبارة في المغاربة : في عقد الأشعري وفقه مالك ... وطريقة الجنيد السالك
والسؤال هو : هل كلف نفسه التأكد من صحة الأثر علماً أنه لا يدل على إنكار العلو أو التوقف في المسألة وإنما هو على التأديب من كثرة الخوض في هذه الأمور على طريقة أهل الكلام وإلا فالنصوص واضحة
يقول أبو نعيم : اخبرنا محمد بن الحسين بن موسى في كتابه ثم سرد عدة آثار كان هذا من ضمنها اخبرنا عبد الواحد بن بكر، حدثني أحمد بن محمد بن علي البردعي، حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال: قيل ليحيى بن معاذ: أخبرني عن الله ما هو? قال: إله واحد. قال: كيف هو? قال: مالك قادر. قال: أين هو? قال: بالمرصاد. قال: ليس عن هذا أسألك، قال يحيى: فذاك صفة المخلوق فأما صفة الخالق فقد أخبرتك.
القائل : أخبرنا عبد الواحد بن بكر هو محمد بن الحسين السلمي وليس أبو نعيم لأن أبا نعيم كان ينقل من كتاب السلمي وهو لا يروي عن عبد الواحد مباشرة وليس من تلاميذه ومحمد بن الحسين هو أبو عبد الرحمن السلمي متهم بوضع الحديث للصوفية
وشيخه لم يوثقه معتبر وطاهر بن إسماعيل الرازي لم أجد له ترجمة وإنما له روايات متفرقة في كتب الصوفية تعد على الأصابع معظمها أخبار يحيى بن معاذ
وبعد النظر في هذا السند المظلم أذكر لك أن الذهبي في العلو قال : قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ فِي الْفَارُوق بِإِسْنَاد إِلَى مُحَمَّد بن مَحْمُود سَمِعت يحيى بن معَاذ يَقُول إِن الله على الْعَرْش بَائِن من خلقه أحَاط بِكُل شَيْء علما لَا يشذ عَن هَذِه الْمقَالة إِلَّا جهمي يمزج الله بخلقه.
=
=
فإن قال : أنا لا أعرف صحة الإسناد عند أبي إسماعيل فيقال قد قبلت إسناداً فيه وضاع ومجهول فوسع صدرك هنا ولا تتشدد فإما أن تقبلها كلها أو تدفعها كلها وهنا يحيى بن معاذ يثبت العلو صريحاً
وأبو نعيم في الحلية أورد أخباراً ظاهرها إثبات العلو إذ هذا متواتر في النصوص وأخبار الصالحين
قال أبو نعيم حدثنا أبي ومحمد بن أحمد، قالا: ثنا الحسن، ثنا محمد بن حميد، ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل ثلاث سنين، فقال الملك: ليرسلن الله علينا السماء أو لنؤذينه. فقال له جلساؤه: كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه وهو في السماء وأنت في الأرض
وقال أبو نعيم أيضاً حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أحمد الدورقي، ثنا سليمان بن حرب، قال: سمعت حماد بن زيد، - وذكر هؤلاء الجهمية - فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء، حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا عباس الأسقاطي، ثنا سليمان بن حرب، قال: سمعت حماد بن زيد، يقول: سمعت أيوب السختياني، يقول وذكر نحوه
وهذا إسناد صحيح كله أئمة حفاظ وهو يدل على أن عقيدة الأشعرية والماتردية اليوم هي عين عقيدة الجهمية آنذاك وبالتالي نسبتهم للسنة مع الانتساب للسلف أمر باطل أشد البطلان فالسلف كلامهم لا يحصر إلا بكلفة في تكفير الجهمية وليس مجرد الإنكار عليهم
وقال أبو نعيم أيضاً حدثنا محمد بن جعفر، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا علي بن مسلم، ثنا سيار، ثنا جعفر، ثنا عنبسة الخواص، عن قتادة قال: قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضائي، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطي
وقال أبو نعيم أيضاً سمعت محمد بن علي بن حبيش، يقول: أدخل الشبلي دار المرضى ليعالج فدخل عليه علي بن عيسى الوزير عائدا فأقبل على الوزير فقال: ما فعل ربك؟ فقال الوزير: في السماء يقضي ويمضي فقال: سألتك عن الرب الذي تعبده لا عن الرب الذي لا تعبده يريد الخليفة المقتدر
وسبحان الله سؤال ( أين الله ) وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث في الموطأ والأم للشافعي ومسند أحمد وصحيح مسلم والجواب في الحديث كان ( في السماء ) وصح عن مالك أنه قال : الله في السماء وعلمه في كل مكان .
فهل يجهل الرفوش كل هذا حتى يذهب بأثر مظلم الإسناد ليشوش على هذا المعنى كله
الجواب : لا والله لا يجهله وما هو بجاهل ولكن الأمر كما شرحت لك مناكفة لأغراض حركية وأهواء نفوس وحال هذا الشخص ليس فريداً في الساحة ولكنه حالة متقدمة جداً في المرض والله المستعان
وحال بعض الناس في زماننا يذكرني بحال ابن الوكيل الذي قام على ابن تيمية مع من قاموا في الواسطية فجاء له الشيخ بكلامه حقيقته ينتهي إلى تكفير الأشعرية فأنكر أنه قاله علما أنه قاله وكان يعتقده ولكنه رهب الناس فغير عقيدته
قال ابن تيمية في المناظرة على الواسطية :" وقلت فى ضمن الكلام لصدر الدين ابن الوكيل لبيان كثرة تناقضه وأنه لا يستقر على مقالة واحدة وإنما يسعى فى الفتن والتفريق بين المسلمين عندى عقيدة للشيخ ابى البيان فيها أن من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فقد كفر
وقد كتبت عليها بخطك أن هذا مذهب الشافعى وأئمة أصحابه وانك تدين الله بها فاعترف بذلك فانكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى ذلك
فقال ابن الوكيل هذا نص الشافعى وراجعه فى ذلك مرارا فلما إجتمعنا فى المجلس الثانى ذكر لابن الوكيل أن ابن درباس نقل فى كتاب الانتصار عن الشافعى مثل ما نقلت فلما كان فى المجلس الثالث أعاد ابن الوكيل الكلام فى ذلك
فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين ابن الوكيل قد قلت فى ذلك المجلس للشيخ تقى الدين أنه من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فهو كافر فأعاده مرارا فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبا شديدا ورفع صوته وقال هذا يكفر اصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون ان حروف القرآن مخلوقة مثل امام الحرمين وغيره وما نصبر على تكفير أصحابنا
فأنكر ابن الوكيل انه قال ذلك وقال ما قلت ذلك وانما قلت أن من أنكر حرفا من القرآن فقد كفر فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا ما قلت الا كذا وكذا".
القول الذي أوله سفسطة وآخره زندقة وفر منه ابن تيمية ويحاول البعض استخراجه من كلامه !
لا أحد يجهل ذلك الجدل الطويل العريض في مسائل الأسماء والأحكام والعذر بالجهل وغيرها ولعل بعض الناس يستغرب من كثرة الجدل في الأمر وانتحال الجميع لشيخ الإسلام ابن تيمية إلا قلة منهم
نعم تحرير مقالة الشيخ لا يعني معرفة الصواب ضرورة في المسألة فقد يوجد في تقريره بعض الخطأ ولكن فهم قول عالم مثله مهم والذي أزعمه أن كثيراً من كلامه يحمل ما لا يحتمل ولنأخذ مثالاً هنا نبدأه بهذا السؤال : ما الفرق بين القول بالعذر بالجهل والقول بأن الحق يتبع الاعتقاد ؟
كثير من الناس يعرف ما هو العذر بالجهل ولكن لا يعرفون القول بأن الحق يتبع الاعتقاد وإليه بعض نصوص الشيخ ثم سأشرح لك الأمر أكثر وأوضحه
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (19/143) :" فذهب فريق من أهل الكلام مثل أبي علي وأبي هاشم والقاضي أبي بكر والغزالي إلى قول مبتدع يشبه في المجتهدات قول الزنادقة الإباحية في المنصوصات وهو أنه ليس لهذه الحادثة حكم عند الله في نفس الأمر وإنما حكمه في حق كل مكلف يتبع اجتهاده واعتقاده فمن اعتقد وجوب الفعل فهو واجب عليه ومن اعتقد تحريمه فهو حرام عليه وبنوا ذلك على مقدمتين"
ثم ذكر المقدمتين وقال بعدها :" وأما السلف والفقهاء والصوفية والعامة وجمهور المتكلمين فعلى إنكار هذا القول وأنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف بل هو مخالف للعقل الصريح حتى قال أبو إسحاق الإسفراييني وغيره هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه. فمن قال: إن الإيجاب والتحريم يتبع الاعتقادات فقد سفسط في الأحكام العملية وإن لم يكن مسفسطا في الأحكام العينية وقد قدمنا أنه لم تجر العادة بأن عاقلا يسفسط في كل شيء لا خطأ ولا عمدا لا ضلالا ولا عنادا لا جهلا ولا تجاهلا وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام"
ولعل كثيرين لم يفهموا كلام الشيخ علماً أن كلامه فيه نقد لشيء منتشر بيننا هل تعرف فكرة ( التعددية ) و ( الرأي والرأي الآخر ) و ( نبذ التعصب وخطاب الكراهية ) وغيرها من الكلمات هذه كلها مبنية على هذه السفسطة وليس المراد منها المعنى الذي قد يفهمه بعض الناس من ترك الظلم والبغي فحسب مع بيان الحق
إنكار وجود ( حق مطلق ) هو قول الزنادقة كما يقول الشيخ وهو قول عامة العالمانيين والملاحدة وذلك أنهم لما كفروا بالله عز وجل آمنوا بنظريات تفسر الكون من داخله وكانت نظرية التطور هي التي تفسر وجود البشر وأذهان البشر خاضعة للتطور فهي ناقصة ضرورة وتتطور فهذا قانون الطبيعة وبالتالي ما هو صواب اليوم قد يكون خطأ بعد ملايين السنين إذا تطورت الأذهان وبالتالي لا يوجد حقيقة مطلقة ( حتى نظرية التطور التي بنوا عليها وهذا تناقض وسفسطة )
وعلى هذا الأصل بنوا نظريات أخلاقية كثيرة وسياسية واجتماعية وظهر بعد ذلك ( ما بعد الحداثة ) وهي التي تقول أنه لا يوجد حق أصلاً ما دام كل حق يتغير وبالتالي المسألة نسبية فما تراه أنت حقاً هو حق لأنك تراه حق وما يراه غيرك باطلاً هو باطل لأنه يراه كذلك باطلاً
وفي الأخلاقيات ظهرت البراجماتية التي تقول أن الشيء يكون أخلاقياً بحسب منفعته فالسرقة لمن ستغنيه أخلاقية وغير أخلاقية لمن ستدخله السجن وبعض أبناء المشاريع الحركية صار يحاسب مشاريع قومه بهذه الطريقة فصار يتنصل من الدين بالكلية على إثر فشل سياسي معين والله المستعان
وكما ترى في كلام الشيخ أعلاه لا يوجد سوفسطائي متسق مع نفسه فهم أنفسهم تجدهم يضعون معايير أخلاقية ويحذفون صفحات من مواقع التواصل لمحاربتها الشذوذ مثلاً مع أن قاعدة ( التعددية ) و ( والرأي والرأي الآخر ) مبنية على أنه لا يوجد حق مطلق ولهذا هذه القاعدة ( التعددية ) نفسها محل خلاف معتبر وليست حقاً مطلقاً !
هذه الثقافة مسيطرة على عقول كثير من الناس وإن كانوا لا يعرفون أصولها ولا يلتزمون كل لوازمها ولكن كثيراً من نتائجها فاشية جداً بين العامة دون أن يتفطنوا إلى حقيقتها ولهذا إذا نظروا في بعض مسائل العلم حاكموها إلى هذه المفاهيم وكذلك الشأن في بعض المنتسبين للعلم
وأما أهل الكلام الذين كان يتكلم عنهم الشيخ فمقدمتهم مختلفة وكذلك نتيجتهم ولكنهم يتقاطعون مع الحداثيين في بعض المعطيات فإن أهل الكلام فريقان وكلاهما لا يعول على النصوص في إيضاح المراد فهناك المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين ولكنهم ينفون الحكمة الإلهية القائمة به سبحانه وهناك الأشاعرة نفاة التحسين والتقبيح العقليين والذين يقولون بأن الأشياء إنما يثبت حسنها وقبحها من خلال نصوص الشرع.
=
=
فلما نظروا إلى المسائل الفقهية وجدوا أن الخلاف في كثير منها هين ولا يمكن حسمه بالعقل المجرد كالأصول الكبرى عند المعتزلة وأما الأشاعرة فهم يقولون أن الأمور إنما تحسن وتقبح بخطاب الشرع وخطاب الشرع هنا ليس واضحاً بدليل أن الفقهاء مختلفون وجميع المختلفين مأجورون وكلهم لا يثبتون لله كلاماً ولا حكمة ( أعني الأشاعرة والمعتزلة )
فإذن هذه المسائل لا يوجد فيها حق أصلاً ما دام العقل لا يكشف والشرع لم يكشف بشكل قطعي والله أصلاً لا يتكلم وليس له حكمة فانتهوا إلى القول بنحو قول الحداثيين ولكن في الفقهيات فقط وهذا خلاف الحديث ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ) فأثبت وجود حق أصلي قبل أن يتباحث الفقهاء
وقولهم هذا وصفه أبي حامد بأنه أوله سفسطة لأننا نعلم ضرورة أن الأدلة تبين الحق في كثير من المسائل التي يتنازع فيها الناس وبين ابن تيمية أن معظم الفقه إجماعي وأنهم إنما يختلفون في الدقائق وأن كثيراً من الخلافيات عند الرجوع للسنة الصحيحة يستبين أمرها ولهذا أمرنا الله بالرجوع إلى الله ورسوله عند الخلاف
واليوم كثير من العامة يحبون الكلام عن خلافيات الفقهاء والاحتجاج بالخلاف وتتبع الرخص لكون هذا ألصق بالثقافة الحداثية الفاشية وقد قال الأوائل : من تتبع رخص العلماء فقد تزندق . وهذا معنى قول أبي حامد : وآخره زندقة ، واليوم كثيرون يستروحون إلى عدم الإنكار في مسائل الخلاف مطلقاً ولا يدرون أنه مبني على هذا الأصل بل عدم الإنكار إنما يكون في المسائل الدقيقة مسائل الاجتهاد وليس مطلق الخلاف وسيأتي بيان أكثر
وأما في مسائل العقيدة فهناك من طرد هذا الأصل ( الحق يتبع الاعتقاد ) ولا يمكن لأحد أن يطرده مطلقاً وهذه هي حقيقة مقالة من اعتبر الأشعرية والماتردية وأهل الحديث فرقة واحدة فإن أقوالهم متناقضة أشد التناقض ولكنه اعتبر خلافهم من جنس خلاف الفقهاء العالي ثم عامل هذا الخلاف معاملة الأشعرية والمعتزلة نفاة الحكمة والكلام ولكنه هنا متناقض لأنه يلزمه إدخال المعتزلة في أهل السنة فكلامهم في الصفات قريب من كلام المعتزلة والماتردية وكلامهم في القدر قريب من كلام بعض الماتردية وكلامهم في دخول العمل في مسمى الإيمان أقرب لقول أهل الحديث من الماتردية والأشعرية
وأي فرق يذكره في الخلاف بين الأشعرية والماتردية والمعتزلة سينقض عليه أصله الذي بنى عليه التسامح بين أهل الحديث وأهل الكلام من الأشاعرة والماتردية ولهذا تم إحياء هذا القول في زماننا لمناسبته للثقافة الحداثية الطاغية ، والتزم القول بإدخال المعتزلة في المعذورين الناجين بعض الأشعرية المتأخرين ثم التزم بعضهم هذا في عموم المخالفين ولهذا ضاقوا ذرعاً بحديث الافتراق وكثير منهم يكون يثبت الحكمة ويثبت كلام الله ولكنه تأثراً بأصول حداثية يميل إلى هذه الأقوال وهذا يكثر في الحركيين المنتسبين للسنة
حتى بالغ بعضهم وأدخل الإمامية ثم إنه يلزمهم إدخال الفرق الباطنية كالإسماعيلية وقد فعل ذلك بعض مشاهير الوعاظ في زماننا وهو بذلك يطرد الأصول ووصل الأمر في بعض الناس إلى إدخال أمثال شحرور في مثل هذا التوسع الإعذاري حتى وصل بالناس إلى اليهود والنصارى والملاحدة
وموقف أهل الكلام من مسائل الأصول أو التي يسمونها أصولاً تخالف قول القائلين ( الحق يتبع الاعتقاد ) فهم قالوا بذلك في الفقه فقط وهم في مسائل الأصول على قولين لما انتقدهما ابن تيمية فسر بعض الناس قوله تفسيراً ينتهي إلى قول القائلين بأن ( الحق يتبع الاعتقاد ) أو يقترب منه جداً
القول الأول : قول المعتزلة الذين يثبتون الحسن والقبح العقليين ويرون العقل كافياً لإقامة الحجة في الأصول الكبرى وبالتالي لا يوجد معذور فيما يسمونه أصولاً أبداً وبعضهم طرد هذا ووصل للفروع وبعضهم قال بالفروع بتكافؤ الأدلة لضعف مدخل العقل فيها وخلاصة قول المعتزلة إن إرسال الرسل تحصيل حاصل كما يقال
القول الثاني : قول نفاة التحسين والتقبيح العقليين من الأشاعرة وغيرهم والذين قسموا مسائل الأصول والفروع وفقاً لما يرونه في النصوص من الحكم بالنار على المخالف فيما سموه أصولاً وقالوا كل من خالف هذا سيدخل النار سواء بلغته الرسالة أم لم تبلغه لأنهم ينفون الحكمة أصلاً ويقولون الله يفعل في خلقه ما يشاء ولا يكون ظالماً ولا يفعل لحكمة
وقد انتقد ابن تيمية هذين القولين انتقد ضوابطهم في تقسيم المسائل لأصول وفروع وأرجع الأمر للنصوص وما أنكر أن العقل والفطرة حجة ولكن الله تفضل وعلق الأمر على الرسالات أو ما هو في حكمها.
=
=
يقول الشيخ متكلما عن الأشعرية كما في مجموع الفتاوى :" ثم هؤلاء يحتجون على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وهو حجة عليهم أيضا في نفي العذاب مطلقا إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل. فأولئك يقولون: يعذب من لم يبعث إليه رسولا لأنه فعل القبائح العقلية. وهؤلاء يقولون: بل يعذب من لم يفعل قبيحا قط كالأطفال. وهذا مخالف للكتاب والسنة والعقل أيضا قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال تعالى عن أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير}"
ثم بين أن المسائل تتفاوت ظهوراً وخفاء والمتكلمين فيها يتفاوتون في مقدرتهم على بلوغ الأدلة بخلاف المعتزلة الذين يجعلون القدرة في الجميع واحدة حتى أنكروا أحكام أهل الفترة ( مع كونها في جزء كبير منها تفضلي )
وبين الشيخ أن المسألة الواحدة قد يكون المرء فيها آثماً ويكون غيره معذوراً بحسب بلوغ النص خلافاً لطريقة المتكلمين الذين جعلوا النصوص ( تحصيل حاصل ) ويقلدهم في طريقتهم كثير من المتكلمين في مسألة العذر بالجهل من الطرفين
والمؤسف حقاً أن كثيراً ممن يقرأ كلام الشيخ صار يفسره بطريقة القائلين بأن ( الحكم تابع للاعتقاد ) ! وإليك بيان ذلك :
فمثلاً إذا قال الشيخ أن المسائل العلمية والعملية قد يكون فيها ما هو اجتهادي وأنه قد يعذر في الحكم الأخروي بعض المخطئين هم يجعلون كلامه حجة في عذر الجميع ! وفي جميع المسائل
ومنهم من يجعل علامة ( العذر ) المطرد في جميع الأفراد أن يكون عندهم اجتهاد وشبهات وهذا إذا تدبرته تجده هو عين القائلين بقول ( الحق يتبع الاعتقاد ) وإنما الفرق أن هؤلاء يعينون حقاً ولكن لا يرتبون على الخصم إثما بحال بل بعضهم يجزم بأجرهم كما في المسائل الاجتهادية الدقيقة
وقول الشيخ أن بعض الأفراد قد يعذر لشيء عارض تفضلاً ولكن هذا العذر لا يكون في كل الناس ولهذا الشيخ كان يعلق في بعض المسائل على قيام الحجة وهو يعلق هنا على شيء ممكن مقدور
واليوم الكثير جدا من العوام ومبتدئي طلبة العلم لا يفهم من العذر بالجهل إلا ما يفهمه القائل بأن ( الحق يتبع الاعتقاد ) وكلمت كثيرا منهم فوجدته كذلك لا يفرق بين عذر بعض الأفراد والحكم بعدم كفر الفرقة بأسرها بل والحكم بنجاتهم في الآخرة ولهذا يفترضون التعارض بين نصوص تكفير بعض الأعيان وعذر بعضهم في كلام الشيخ مع ان هذا لب مذهبه لذا ينصح من يقرر هذه المسألة أن ينبه على هذا المعنى لفشوه في الناس بسبب المزاج الحداثي الطاغي
بل حتى أن القول بأن الظهور والخفاء يتفاوتان في كثير من المسائل بالنسبة للأفراد ليس معنى هذا أن الكل معذورين كما يظنه بعض الناس بل قد تكون القرائن دالة على انعدام العذر ويكون هذا البحث ( القرائني ) وفقاً لأصول الشيخ اجتهادياً بين أهل السنة لا يثرب أحدهما على الآخر فيه
ولكن الحاصل اليوم أن بعضهم يعذر المخالفين بشكل مطلق بعدما فسر كلام الشيخ في رده على المعتزلة والأشعرية بما لا يحتمل كلام الشيخ ثم هو يشنع على مخالفه من أهل السنة في الحكم على بعض الفرق والأعيان مع أنه يلزمه أيضاً أن يعذر هذا السني الحاكم بغير حكمه حتى وإن بغى عليه فإن البغي تابع للاعتقاد والاعتقاد نفسه قد عذرتم فيه فلا تتناقضوا تناقض الحداثيين بل إنك لو قلت المعتزلي والإمامي والأشعري معذور إلا من بغى على أهل السنة واستباح منهم ما لا يستباح لما بقي لك كبير أحد منهم والطريف أن المخالفين لابن تيمية في هذه المسألة هم من يجتهد القوم في عذرهم وبيان قوة أدلتهم فالمعتزلة والأشعرية هم من خالفوا الشيخ في التحسين والتقبيح وبالتالي هذه الفروع كلها
والذي أصوبه أن كلام الشيخ حق غير أن هناك مسائل ظاهرة في كل زمان ومكان بعد نزول الوحي وهذا متفق عليه فهم في كل زمان ومكان يكفرون الإسماعيلية ومن لا يدخل الإسلام أصلاً وهناك مسائل خفية وهناك مسائل تتردد بحسب الزمان والمكان ونفس المتكلم والمسائل المترددة لا يعذر فيها كل الناس ولا يدان كل الناس وبعض الأعيان مورد اجتهاد.