كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب الشاعر الحكيم المجاهد الذي كاد أن يكون صحابياً

المصدر
في رحاب الشاعر الحكيم المجاهد الذي كاد أن يكون صحابياً الناس يعرفون شعراء المعلقات ويعرفون شعراء النبي صلى الله عليه وسلم غير أن هناك رجلاً له أبيات سيارة كان جاهلياً وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ومات مجاهداً وقيل أنه أشعر الناس لأنه من قبيلة هي أشعر العرب وهو أبو ذؤيب الهذلي قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء :" أبو ذؤيب الهذلى هو خويلد بن خالد، جاهلىّ إسلامىّ. وكان رواية لساعدة بن جؤيّة الهذلىّ. وخرج مع عبد الله بن الزّبير فى مغزى نحو المغرب، فمات، فدلّاه عبد الله بن الزبير فى حفرته " وقال الذهبي في تاريخ الإسلام :" أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليّ خُوَيْلد بْن خالد الشاعر المشهور، أدرك الجاهلية وأسلم في خلافة الصديق، وكان أشعر هذيل، وكانت هذيل أشعر العرب. ومن شعره: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع توفي غازيا بإفريقية في خلافة عثمان وقد شهد سقيفة بني ساعدة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم" وذكر محمّد بن سلّام الجمحيّ في «طبقات الشّعراء» عن يونس بن عبيد، عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: قلت لعمر بن معاذ: من أشعر الناس؟ فذكر قصة فيها. وأبو ذؤيب خويلد بن خالد مات في مغزى له نحو المغرب فدلّاه عبد اللَّه بن الزبير في حفرته. قال أبو عمر: وسئل حسان بن ثابت من أشعر الناس؟ قال: رجلا أو قبيلة؟ قالوا: قبيلة، قال: هذيل. قال ابن سلام: فأقول: إنّ أشعر هذيل أبو ذؤيب. وقال عمر بن شبّة: كان مقدّما على جميع شعراء هذيل بقصيدته التي يقول فيها: والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع وقال المرزبانيّ: كان فصيحا كثير الغريب متمكنا في الشعر، وعاش في الجاهلية دهرا، وأدرك الإسلام فأسلم. وعامّة ما قال من الشعر في إسلامه، وكان أصاب الطاعون خمسة من أولاده فماتوا في عام واحد وكانوا رجالا ولهم بأس ونجدة، فقال في قصيدته التي أولها: أمن المنون وريبها تتوجّع ... والدّهر ليس بمعتب من يجزع ويقول فيها: وتجلّدي للشّامتين أريهم ... أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع. أقول : البيت الأخير سيار بين العلماء وهو مدرسة في رياضة النفوس وتهذيبها وموت أولاده الخمسة في الطاعون وصبره على ذلك عجيب ولا أدري إن كان في إسلام أو جاهلية ولكنه إن كان في جاهلية فالمسلم أولى بالصبر والتسلي لعلمه بالأجر عند الله وقصيدته عجيبة وفيها من السبكة الشعرية والإحكام الشيء العجيب فمن ذلك قوله فالعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع وهذا تصوير عجيب فالمرء إذا بكى بكاء شديداً يغمض عينيه فشبه عينه من بكائه على أولاده بمن سملت ( يعني فقئت ) عينه يعني من طول البكاء وشدته واستمراره ومن لطيف ما قال فيها : كم من جميع الشمل ملتئم القوى ... كانوا بعيش قبلنا فتصدعوا. يسلي نفسه بأن هذه عادة الناس في هذه الدنيا كم من قوم كانوا مجتمعين وتفرقوا وأحسب أن الإيمان لما داخله سلاه أيما تسلية فإنه على أمل أن يلقى أولاده يوم القيامة ويجتمع بهم في جنان الخلد وقولهم أن عامة شعره في الإسلام يقوي أن ذلك حصل وهو مسلم وهم مسلمون وأكثر ما حركني في ترجمة هذا الرجل الجليل ما أخرج ابن مندة من طريق البلوي، عن عمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد: حدثنا أبو الآكام الهذلي عن الهرماس بن صعصعة الهذلي، عن أبي، حدثني أبو ذؤيب الشاعر، قال: قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا جميعا بالإحرام. فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم. هذا خبر يضعف على قواعد المحدثين غير أنه ليس في متنه نكارة ولا يستبعد تأمل تصوير هذا الشاعر لحزن المسلمين على النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي أن ضجيجهم في البكاء كضجيج الحاج إذا أهلوا بالإحرام ! وهذا تشبيه عجيب يوحي لك بمقام النبي صلى الله عليه وسلم في القلوب الرجل الذي اصطفاه رب العالمين ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.