هل نقل ابن تيمية خلاف السلف في دخول الجهمية الثنتين وسبعين فرقة؟
هل نقل ابن تيمية خلاف السلف في دخول الجهمية الثنتين وسبعين فرقة؟
قرأت كلاماً لأحد الباحثين يزعم أن السلف لم يجمعوا على تكفير الجهمية لا قولاً ولا أعياناً (علماً تكفير القول يقتضي تكفير جماعة من المعينين ضرورة والأمر ليس منفصلاً بالكلية).
واعتمد هذا الباحث على نقل ابن تيمية الخلاف في اعتبار الجهمية من 72 فرقة، علماً أن الخلاف نقله الشيخ بين أصحاب أحمد وليس بين السلف.
وإليك نص كلامه ثم أبين لك ما الفرق بين قول الشيخ (السلف) وقوله (أصحاب أحمد):
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (3/350): "وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط ثم عبد الله بن المبارك وهما -إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة. فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد. وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم قالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة كما لا يدخل فيهم -المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة. وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة وجعلوا أصول البدع خمسة فعلى قول هؤلاء: يكون كل طائفة من المبتدعة الخمسة".
تأمل قوله (وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم) ولم يقل من السلف.
وقال في درء التعارض (7/110): "وقال يوسف بن أسباط وعبد الله ابن المبارك: أصولي الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج والشيعة، والمرجئة والقدرية،.
فقيل لابن المبارك: فالجهمية: فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة والزنادقة؟ - قولان.
والجهمية باتفاقهم هم نفاة الصفات الذين يقولون إن الله ليس فوق العالم، ولا يرى، ولا تقوم به صفة ولا فعل".
حين يقول ابن تيمية (أصحاب أحمد) فهو لا يريد السلف ولا الاستدراك على إجماع السلف، فقد نسب لـ(أصحاب أحمد) يعني جماعة منهم أقوالاً هو يقطع بمخالفتها لاتفاق السلف.
فتجد في الصحيفة التي أشرت إليها من مجموع الفتاوى يقول: "وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير "المرجئة" و "الشيعة" المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع -من هؤلاء وغيرهم- خلافا عنه أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة".
فهنا الشيخ يذكر عن بعض أصحاب أحمد (بمعنى الحنابلة) الغلط على أحمد وعلى الشريعة في قولهم بتكفير المرجئة والشيعة المفضلة (يعني من ليسوا رافضة سبابة وفقط يفضلون علياً على غيره)
وقال ابن تيمية في التسعينية: "ثم إن من العجب أن بعض متكلمة أهل الحديث، من أصحاب أحمد وغيرهم، يدعون مثل هذا الإجماع، مع النصوص الكثيرة عن أصحابهم بنقيض ذلك، بل عن إمامهم وغيره من الأئمة".
وقال في بيان تلبيس الجهمية: "وإنما الغرض هنا التنبيه على هذه الطريقة: فقال نفاة الصفات -من المعتزلة ونحوهم، والصفاتية المنكرون للأفعال؛ كالكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم".
فهو لا شك يرى أن هذا القول بدعة وخلاف اتفاق السلف، وينسبه لجماعة من أصحاب أحمد بمعنى المتمذهبين بمذهبه في الفروع، وعليه كلمة (من أصحاب أحمد) لا تساوي (السلف) عند ابن تيمية.
وحقيقة أعجب من كثرة الحديث عن التراث التيمي ثم نجد الشيخ يتكلم عن المسائل الدقيقة فيحملها الحامل على الجليلة، ويتكلم عن قيام الحجة فيحملها الحامل على الحكم بإسلام المخالف مطلقاً، ويتكلم عن الكلابية فيحملها الحامل على الجهمية الغلاة الذين ذمهم ابن كلاب نفسه، ويتكلم عن خلاف بين الحنابلة فيحملها الحامل على السلف، حقيقة القراءة الرغبوية في تراث الشيخ أمر ظاهر جداً.
وقال الشيخ في الدرء (5/ 257): "ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع، وذلك لأن الإيمان إيمان بالله وإيمان للرسول، فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به عن أسماء الله وصفاته، ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره، والإيمان بما أخبر به والإقرار بذلك والتصديق به".
ونقل الشيخ في بيان التلبيس محتجاً قول ابن مهدي: "ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يَدُورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا".
فلاحظ تكفيره لهم بإنكار العلو، وحديثه عن أعيان بدليل ذكر النكاح والوراثة.
وقال عن قولهم بإنكار العلو: "ومن علم أن قولهم مخالف لذلك واتبعه كَفَرَ كما كَفَّرهم السلف والأئمة".
تأمل (كفرهم السلف) وهو يتكلم عن معين يُعلم فيُكفر.
هل كان عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، موسوسًا؟
قال ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان):
"وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر وأبى هريرة، رضي الله عنهما، فشيء تفرّدا به، دون الصحابة. ولم يوافق ابنَ عمر على ذلك أحدٌ منهم.
وكان ابن عمر يقول: إن بي وسواسًا فلا تقتدوا بي".
وقال ابن قدامة المقدسي في كتابه (المغني):
"فصل: وذكر بعض أصحابنا من سنن الوضوء غسل داخل العينين. وروي عن ابن عمر أنه عمي من كثرة إدخال الماء في عينيه.
وقال القاضي: إنما يستحب ذلك في الغسل. نصّ عليه أحمد في مواضع.
وذلك لأن غسل الجنابة أبلغ، فإنه يعم جميع البدن، وتغسل فيه بواطن الشعور الكثيفة، وما تحت الجفنين ونحوهما.
وداخل العينين من جملة البدن الممكن غسله، فإذا لم تجب فلا أقل من أن يكون مستحبا.
والصحيح أن هذا ليس بمسنون في وضوء ولا غسل".
هذا النقل فاش بين الناس وأخذه كثيرون مسلّمًا.
والواقع أن الأمر يحتاج إلى مراجعة.
أولًا: هل صحّ أن ابن عمر عمي من كثرة إدخال الماء في عينيه؟
الجواب: لا يوجد في حدود بحثي لهذا الخبر إسناد.
وقد بحثت عمن خرّجه فما وجدت.
وقال محمد عزيز شمس في تعليقه على كتاب (ابن القيم - إغاثة اللهفان):
(روى مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ونضَح في عينيه ... ورواه عبد الرزاق ومسدّد، كما في المطالب العالية، والبيهقي في الكبرى من طرق عن نافع عن ابن عمر قال: كان إذا اغتسل من الجنابة نضَح الماء في عينيه. وصححه ابن حجر، وليس عند أحدٍ منهم أنه عمي بسبب ذلك)
وأيضاً ينبه على أن الروايات في الغسل، وليست في الوضوء، ولو كان وسواسًا لكان في كلّ طهارة.
وإنما هو قياس على تخليل الشعر حتى الوصول إلى أصوله. ولهذا قال أحمد بهذا الفعل في عدد من رواياته. وتأمل كلام القاضي أبي يعلى أعلاه.
ثانيًا: هل صحّ عن ابن عمر أنه قال: (إن بي وسواسًا)؟
الجواب: هذا الخبر لا أصل له.
إنما الوارد: (إني لمولع بغسل قدمي، فلا تقتدوا بي)
وهذا في سياق المفاضلة بين المسح على الخُفّين وغسل الرجلين، فكان هو يفضّل غسل رجليه.
ولكي لا يظن أصحابه وجوب غسل الرجلين قال هذا، أو حتى يعتقدوا أن الغسل أفضل من المسح.
قال ابن قدامة في كتابه (المغني):
"وقد رُوي عن سفيان الثوري أنه قال لشعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت، حتى ترى المسح على الخفين أفضل من الغسل.
وروى حنبل، عن أحمد، أنه قال: كله جائز، المسح والغسل، ما في قلبي من المسح شيء، ولا من الغسل.
وهذا قول ابن المنذر. وروي عن ابن عمر، أنه أمرهم أن يمسحوا على خفافهم، وخلع خفيه، وتوضأ، وقال: حبّب إلي الوضوء.
وقال ابن عمر: إني لمولع بغسل قدمي، فلا تقتدوا بي. وقيل: الغسل أفضل. لأنه المفروض في كتاب الله تعالى. والمسح رخصة".
وقال الدكتور عبد المجيد محمود في كتابه (الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث):
"وقد عُرِف ابن عمر بهذا الحرص الشديد على الاقتداء والتأسي.
وذاعت شهرته بذلك في الأوساط المختلفة حتى غلب على ظن كثير من الناس، أن ما صدر عنه من أفعال وتصرفات تمثل صورة من أفعال الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولها ارتباط بما صدر عنه، صلى الله عليه وسلم.
وقد كان ابن عمر يعلم أنه، لتأسيه بالرسول صلى الله عليه وسلم، صار قدوة.
ولذلك، كان يحرص عندما يصدر منه فعل ليس متابعًا فيه للرسول، على أن ينبه الناس إلى ذلك.
مثل ما روي أنه أمر أصحابه أن يمسحوا على خفافهم، ولكنه خلع نعليه، وغسل رجليه.
ولما خشي أن يظن الناس أن غسل القدمين أفضل من المسح على الخفين وأن يتابعوه في فعله = اضطر أن ينبههم إلى أنه غسل قدميه استجابة لميله الطبيعي إلى غسل القدمين.
وقال: حُبّب إلي الوضوء. وقال: إني لمولَعٌ بغسل قدمي، فلا تقتدوا بي".
فابن عمر، رضي الله عنهما، لا يوجب الأمر، بل يقول (حُبّب إلي) فلا يلزم غيره به. ولا يعتقد وجوبه على نفسه.
وحتى إدخال الماء في العينين في غسل الجنابة، لا يوجد دليل على أنه يوجبه. ومجرد الفعل لا يدل على ذلك.
ويُنبه بعض المتخصصين إلى أن الأمر بعيد عن الوسواس المرضي المعروف في عرف الناس اليوم أو في مراجع الطب النفسي الحديث.
وعلى المسلم أن يتكلم بعلم أو ليصمت، وخاصة إذا كان من المتصدرين أمام العوام.
بل إن الأمر قد يبلغ مبلغ سوء الأدب مع الصحابة، رضي الله عنهم، لأننا نسبنا إليهم ما ليس فيهم مما قد يظنه البعض عيبا.
ويزيد الأمر سوءا أن يُدّعى أن هناك عشرات الصحابة من المصابين بالوسواس.
والسوء هنا يتجاوز سوء المنهج العلمي، فلا ينبغي إطلاق وصف الوسواس على ما يتهم البعض أنه كذلك.
والوسواس عند أهل الاختصاص له درجات، يبدأ بمجرد الاحتياط والتشدد والحرص، ويمر بأعراض ما يُعرف بالشخصية الوسواسية أو وهم الكمال، ويصل إلى الوسواس المرَضي المعيق للحياة السوية، والمعروف عند أهل الاختصاص باضطراب الوسواس القهري.