النهي عن الاستنجاء باليمين وتبديد أوهام منكري السنة والتقريبيين
النهي عن الاستنجاء باليمين وتبديد أوهام منكري السنة والتقريبيين
الهجوم على السنة النبوية أو على منهج المحدثين له مقدمات نفسية فكثير من منكري السنة يتحاكمون إلى الثقافة الغربية ويرَون السنة تمثِّل حاجزًا دون الاندماج في هذه الثقافة
وهناك فئة أهون منهم حالًا ترى أنّ المشكلة في بعض الأحاديث فحسب ولهذا يمارسون الانتقاء فربما احتجوا بالباطل المنكر وردّوا الصحيح المشهور بل وربما المتواتر
وهناك فئة حالهم أحسن من حال الفئتين السابقتين وأعمق في المكر وهم فئة أكاديمية أخذت على نفسها التقريب بين المذاهب الإسلامية أن تقرِّب عموم المذاهب للقيم الحداثية ولكن بطريقة أكاديمية
وهؤلاء نهجهم يقوم على الطعن في منهج المحدثين عن طريق التشكيك في بعض تفاصيله مع الثناء عليه بالجملة ثم يوهمك أنه بهذا الطعن سيحل مشكلة المذاهب الإسلامية المتفرقة ويجمعها في سياق واحد وفقاً للحلم الحداثي
وقد رأيت بعضهم كتب منشورًا عن التقريب بين المذاهب الإسلامية ( السنة والرافضة ) والمقال مكتوب بلغة حداثية فهو يستدل على غموض الحق بوجود خلاف ومتعصبين من الطرفين وهذا يمكن أن يقال في الإسلام والنصرانية بل يمكن أن يقال في عامة خلافيات الدنيا بِمَا فيها خلاف هذا التقريبي مع الطرف الذي يراه متعصباً.
ثم بعد ثناءٍ على منهج المحدثين تكلَّم عمّا يراه إشكالات في العلم مثل موضوع قبول مراسيل صغار الصحابة وموضوع اشتراط اللقاء في السند المعنعن وتكلم بهجر من القول
غير أن ذكر مثل هذا عند الكلام على الخلاف بين الطوائف المنتسبة للملة مجرد مخادعة أنيقة !
فأهل الكلام فريق منهم يردون الأحاديث الصحيحة مهما بلغت من الصحة وحققت من الشروط بحجة أنها آحاد ولَم يقفوا عند تفاصيل هذا مِن صغار الصحابة الذين وُلدوا في حياة الرسول ﷺ وما صحبوه ولا موضوع السند المعنعن
فضائل الصحابة الكرام أمر حاضر في القرآن والأحاديث في ذلك كثيرة جدا
بل خذ أمر المسح على الخفين الذي تنكره الإمامية والإباضية رواه عشرات الصحابة ومع ذلك يدفعونه مع كونهم أصلاً يقبلون أصل تخصيص السنة لعموم القرآن فيقولون بحرمة الجمع بين المرأة وعمتها بناءً على أحاديث
وخذ أحاديث الرجم والرِّدة وعذاب القبر وغيرها كثير تواترت ورواها مشاهير الصحابة وأسانيدها قبِلها المدنيون الذين يشترطون إجماع أهل المدينة وقبِلها أهل الرأي الذين عندهم شروط زائدة على المحدثين وقبِلها الإمامية الذين يشترطون قبول المعصومين من أهل البيت للروايات ومع ذلك دفعها من دفعها
الواقع أن في الدنيا شيء اسمه هوى ومكابرة والا فالذبح لغير الله والنذر لغير الله ودعاء الموتى كلها عناوين دفْعها في القرآن ظاهر وواضح في القرآن أنه لا يعلم الغيب إلا الله وواضح أن التنزيه بالمعنى الكلامي الذي لا يفهمه عامة الناس ليس في القرآن بل الذي فيه التنزيه بالمعنى الفطري إثبات الظواهر مع تنزيه الله عن مماثلة الخلق لهذا عامة أهل الكلام يعترفون بأن الظواهر لا تخدم مذهبهم وجاءوا بقاعدة تقديم العقل على النقل
ولولا وجود الهوى في الناس ما كان القول بتحريف القرآن معقولاً لإنسان ينتسب للملة ثم هو بعد ذلك يُؤْمِن بروايات لا خطام لها ولا زمام
لِذا فإنّ هذا النهج التقريبي لا يفيد شيئاً في حل أصل المعضلة بل غايته أنه يشكك في الأصول ويفتح الباب للزنادقة باعتراضات هشة وضعيفة علماً أن غالبهم إنما يدفعه لهذا إيمانه بقيَّم حداثية أصالةً
وخذ مثالاً النهي عن الاستنجاء باليمين
هذه السنة رواها من الصحابة سلمان الفارسي والسند إليه كوفي وأبو هُريرة والسند إليه مدني وأبو قتادة والسند إليه حجازي وحفصة والسند إليها كوفي ضعيف روت ذلك من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة مثل حفصة والسند إليها عراقي وكذلك رواها سهل بن حنيف
فهؤلاء سبعة من الصحابة وأجمع كل الناس على قبول هذا الخبر وخرّجوه في كتبهم وروته الإمامية أيضاً والإباضية والزيدية مصدقة رواية السنة
هذا الخبر يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له أوامر ونواهي ليست في القرآن وهذا اتفق عليه أهل الملة خلا الزنادقة منكري السنة وهم إن تحدثوا عن تواتر القرآن ألزمناهم بتواتر هذا الخبر
ثم يقال للتقريبي قد علمنا يقينا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم موحَى إليه من الله
وقد أرشدَنا رب العالمين إلى الرد إليه عند الخلاف ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )
وقال سبحانه : ( ولو رَّدوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )
وذكر سبحانه أن هناك مَن يتبعون المتشابهات وفِي قلوبهم زيغ وزكّى سبحانه الراسخون في العلم وهؤلاء رأسهم رسول الله صلى عليه وسلم
ولا يُعقل أنْ يُحفظ عنه أدب من آداب الخلاء بهذه الطريقة القطعية ولا يُحفظ عنه ما يُجهِز على خلافيات الأمة لمن أنصف.
=
=
فبدلاً من إساءة الظن بمن في قلوبهم الزيغ نسيء الظن بالسنة وبمنهج المحدثين وبعلماء المسلمين على مر العصور هذا لن ينهي الخلافيات بل بالعكس سيأخذ بالناس إلى الزندقة وما بعد الحداثة وثم العدمية فهذا منهج بائس في علاج الخلافيات سار عليه عدنان إبراهيم وصار يحاكيه بعض مَن له سبب في العلم أكبر مع رقة في الدين والله المستعان
وقبل الختام أود التنبيه على بعض ما ذكره إذ أنه ينظر في علم الحديث بطريقة تجريدية وهذا حال كثيرين ممن درسوا العلم على طريقة المتأخرين
عامة التقريبيين يؤمنون بقاعدة العرض على القرآن
غير أنه كما ترى هناك أحكامًا في السنة ثابتة على أشد الشروط وأكثرها تعنتًا
وكان أهل الحديث إذا رأوْا حديثًا ضعيفًا من مراسيل التابعين فضلًا عن غيرهم لا يحكمون بنكارته حتى يعرضوه على تلك الأحكام الثابتة بالنظر للقرآن والسنة الثابتة بشكل قطعي وفتاوى الصحابة فإن لَم يجدوا فيها ما يعارض أو وجدوا ما يدل على المعنى بالجملة احتملوه وإن وجدوا ما يخالف ولو آثار الصحابة استنكروه وإن كانت القرائن متضادة نظروا إلى أعلاها فهذا في مراسيل التابعين فما بالك بمراسيل الصحابة ولا أعلم حُكمًا شرعيًا ذا بال فضلًا عن حكم عقدي أصلي توقَّف على الخلاف في السند المعنعن بين البخاري ومسلم أو مراسيل من له رؤية فحسب من صغار الصحابة الذين أدركوا الرسول صلى الله عليه وسلم وهم رضع
غير أن التقريبيين أصحاب تهاويل
وقد شرحت هذا المعنى موسعاً في مقالي : قاعدة في أن معظم الأحكام الشرعية ثابتة بطريقة قطعية
وخذ مثلاً حديث الاستنجاء باليمين الحكم تفصيلًا لا ذِكر له في القرآن ولكن في القرآن معنى تكريم اليمين وأنّ أهل الجنة يُسمون أصحاب اليمين وأنّ أهل النار يُسمون أصحاب الشمال
والاستنجاء إزالة لمستقذر فناسب ألَّا يُفعل باليمين ومَن تدبر وجد السنن تتعاضد من جهة المعنى بشكل عجيب وكثيرًا ما تكون معاني القرآن العامة تعضد ذلك ولكن يغفل عن ذلك كثيرون خصوصًا من درسوا الحديث بطريقة تجريدية ولَم يفرِّقوا بين ما يُحتمل وما يُستنكر ممن يظنون أن البحث في توثيق ابن حبان أنفع لهم في تقدير مرتبة الحديث مِن التدبر في القرآن والنظر في آثار الصحابة وكبار التابعين.