يعترضون على القرآن من حيث لا يشعرون
يعترضون على القرآن من حيث لا يشعرون
أخبرني أحد الأخوة أنّ (وسيم يوسف) في سعاره تجاه الأحاديث الصحيحة استنكر حديث (لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني) بحجة أنه يَرفع النبي صلى الله عليه وسلم فوق البشرية
وكأنَّ مجرد تميُّزِه بِشيء عن بقية البشر يقتضي ألوهيته ؟
فهل يَعرف مِن البشر مَن يوحى إليه غير الأنبياء؟ وهل يعرف مَن سري به وعرج غير نبينا صلى الله عليه وسلم؟
هذا مثل تفكير النصارى الذين لمّا رأوا المسيح وُلد مِن غير أب ادَّعوا ألوهيته ولَم يعلموا أن مجرد ولادته تقتضي عدم ألوهيته لاقتضائها الافتقار المقتضي للعبودية
وكذلك الحال في حديث (يطعمني ربي ويسقيني) فهو نص على وجود طعام يُفتقَر إليه ولكنه ليس من جنس ما يعرف الصحابة الكرام
وفي القرآن الكريم : (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَددَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
فهذا حال مريم كان يأتيها الرزق من الله بما لا يعلم البشر أسبابه، وأين مقام مريم على علو مقامها من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم؟
فما كان لمريم لا يُستبعد أن يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم منه مما كان من نفْس الجنس، هذا يدفع الشبهة على أي تفسير فسرت حديث (أبيت يطعمني ربي ويسقيني)
قال ابن القيم في زاد المعاد :"ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به، فلينظر حال كثير من عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من صورة، أو جاه أو مال أو علم، وقد شاهد الناس من هذا عجائب في أنفسهم وفي غيرهم.
وقد ثبت في " الصحيح ": «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يواصل في الصيام الأيام ذوات العدد، وينهى أصحابه عن الوصال ويقول: (لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» )
ومعلوم أن هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي يأكله الإنسان بفمه، وإلا لَم يكن مواصلاً ولَم يتحقق الفرق، بل لم يكن صائماً، فإنه قال: ( «أظل يطعمني ربي ويسقيني» )
وأيضا فإنه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه، فلو كان يأكل ويشرب بفمه لَم يقل لست كهيئتكم، وإنما فهم هذا من الحديث مَن قلَّ نصيبه من غذاء الأرواح والقلوب، وتأثيره في القوة وإنعاشها، واغتذائها به فوق تأثير الغذاء الجسماني، والله الموفق"
وهناك من ينازع الشيخ فيما قال وما قاله لا يدركه كثير من الناس في زمان الاختزال المادي للبشرية.