تنبيه دقيق لشيخ الإسلام حول موافقة متأخري الأشعرية للمعتزلة...
تنبيه دقيق لشيخ الإسلام حول موافقة متأخري الأشعرية للمعتزلة...
قال ابن تيمية في شرح الأصبهانية: "وهذا القدر الذي أثبته -يعني الأصفهاني- من كونه متكلما آمرا ناهيا لا ينازعه فيه معتزلي بل ولا متفلسف إلهي يقر بالنبوات في الجملة كما يقر بها المتفلسفة الذين حقيقة أمرهم أنهم يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض، كما أن اليهود والنصارى يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض.
ولقائل أن يقول إن هذا السؤال ليس لازما له في مسألة الكلام بل وفي سائر
المسائل فإنه لم يثبت شيئا من الصفات القائمة بنفسه، وإنما أثبت أحكام الصفات وأثبت الأسماء. والمعتزلة توافق على الأسماء والأحكام بل والفلاسفة أيضا توافق على إطلاق ما ذكره من الأسماء والصفات فلا يكون في هذا الاعتقاد فرق بين مذهب الصفاتية أهل الإثبات، كابن كلاب والأشعري وأتباعهما ولا بين المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وأمثالهم، بل هذا الاعتقاد مشترك بين المعتزلة والأشعرية وغيرهم من الطوائف يبين هذا أنه لم يذكر في اعتقاده ما تتميز به الأشعرية عن المعتزلة ولا ذكر أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا ذكر مسألة الرؤية، وأن رؤية الله جائزة في الدنيا واقعة في الآخرة، ولا ذكر أيضا مسائل القدر، وأن الله خالق أفعال العباد وإنه مريد للكائنات، ولا ذكر أيضا مسائل الأسماء والأحكام، وأن الفاسق لا يخرج عن الإيمان بالكلية، ولا يجب إنفاذ الوعيد، بل يجوز العفو عن أهل الكبائر، ولا ذكر مسائل الإمامة والتفضيل.
وكل هذه الأصول تذكر في مختصرات المعتقدات التي يصنفها متأخر والأشاعرة كالعقيدة القدسية لأبي حامد، والعقيدة البرهانية المختصرة من إرشاد أبي المعالي ونحوهما فضلا عن الاعتقاد الذي تذكره أئمة الأشعرية كالقاضي أبي بكر وذويه فإنهم يزيدون على ذلك إثبات الصفات الخبرية، وإثبات العلو وأمثال ذلك فضلا عن الاعتقاد الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث فإن فيه جملا مفصلة فضلا عمّا يذكره السلف والأئمة الكبار من الإثبات والتفصيل المبين للسنة الفاصل بينها وبين كل بدعة.
ولهذا كان أصحاب هذا المصنف مع انتسابهم إلى الأشعري إنما هم في باب الصفات مقرون بما تقر به المعتزلة ولا يقرون بما تقر به الأشعرية من الزيادات، وبحوث أبي عبد الله بن الخطيب تعطيهم ذلك فإن الوقف والحيرة ظاهر على كلامه في إثبات الصفات، ومسألة الرؤيا والكلام وأمثالها بخلاف مسائل القدر فإنه جازم فيها بمخالفة المعتزلة، وهذه الطريقة تشبه من بعض الوجوه طريقة ضرار بن عمرو وحسين النجار وأمثالهما ممن كان يقر بالقدر ولكنه في الصفات بين المعتزلة والأشعرية، أو تشبه طريقة الواقفية الذين كانوا يقفون في القرآن، فلا يقولون هو مخلوق ولا غير مخلوق.
وكلام أئمة السنة في ذم هؤلاء، وكلام متكلمة الصفاتية كالأشعري وغيره في ذلك مشهور معروف.
فإن قيل: فالمعتزلة لا تقر بمنكر ونكير، والصراط والميزان، ونحو ذلك ممّا ذكره هذا المصنف؟
قيل: المعتزلة في ذلك على قولين منهم من يثبت ذلك ومنهم من ينفيه على أن ما ذكره ليس فيه ما يدل على إثبات هذه الأمور، وإنما فيه الإقرار بكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور، ليس في المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين من يقول لا أقر بما أخبر به الرسول، بل كل مسلم يقول إن ما أخبر به الرسول فهو حق يجب تصديقه به".
ثم قال: "كما أن كلامه في التوحيد ليس مبنيّا على أصول الأشعرية ولا أصول المعتزلة بل على أصول المتفلسفة، فهو متردد بين الفلسفة والاعتزال وأخذ من بحوث المنتسبين إلى الأشعرية كالرازي ونحوه ما قد يقوله هؤلاء وهؤلاء.
وكذلك يحكي عنه خواص أصحابه أنه كان في الباطن يميل إلى ذلك وقد ظهر ذلك في خواص المحدثين من أصحابه كالقشيري وغيره، ومعلوم أنه تكلم بمبلغ علمه وحسب اجتهاده ونهاية عقله وغاية نظره.
ولكن المقصود أن تعرف المقالات والمذاهب وما هي عليه من الدرجات والمراتب، ليعطى كل ذي حق حقه ويعرف المسلم أين يضع رجله.
إذا تبين هذا فنحن ننبه على ما يتميز به أهل السنة عن المعتزلة ومن هو أبعد عن الحق منهم كالمتفلسفة فنقول: إذا ثبت بهذا الدليل أنه سبحانه متكلم وثبت أن الرسل أخبروا بذلك فنقول الذي أخبرت به الرسل أنه متكلم بكلام قائم بنفسه، هذا هو الذي نبينه وهذا هو الذي فهمه عنهم أصحابهم ثم تابعوهم بإحسان بل علموا هذا من دين الرسل بالاضطرار ولم يكن في صدر الأمة وسلفها من ينكر ذلك، وأول من ابتدع خلاف ذلك الجعد بن درهم ثم صاحبه الجهم بن صفوان وكلاهما قتل".
أقول: الشيخ هنا يقرر عدة أمور:
الأول: أن متأخري الأشعرية يوافقون المعتزلة أعظم من موافقتهم لمتقدميهم، وهؤلاء الأشعرية المتأخرين هم غالب الأشعرية على التحقيق.
وعلى هذا من يزعم أن الأشعرية هؤلاء من أهل السنة، أو من أهل السنة فيما وافقوا فيه السنة، أو لا يجوز الحكم عليهم بالتجهم ينبغي أن يطلق هذا في المعتزلة البصريين أيضاً.
=
=
علماً أن الشيخ يرى أن المعتزلة في مسائل الإيمان والقدر أقوم من الأشعرية الذين دخلوا في الإرجاء والجبر.
وقد جرت عادة كثير المعاصرين أنهم إذا وجدوا كلمة ثناء على متقدمي الأشعرية أو الكلابية يحملونه على متأخريهم، وإذا وجدوا كلمة ذم يستثنون المتأخرين، وهذا التقرير يناقض سلوكهم هذا، وهو سلوك رغبوي ككثير من أبحاث الأسماء والأحكام في هذا الزمان.
الثاني: أن المعتزلة ليس كلهم ينفون الميزان والصراط وغيرها، وعليه من يوافقهم من الأشعرية ثم يزيد على ذلك إرجاء جهم والجبر فإنه يكون أضل من هؤلاء المعتزلة.
وسمى ابن تيمية ضرار بن عمرو وقال أن الأشعرية المتأخرين أقرب ما يكونون له، إذ كان قنطرة بين الاعتزال ومنهج أهل الحديث.
وضرار بن عمرو هذا ثبت عن الإمام أحمد ما يدل على تكفيره له.
قال المروذي: "قال أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبد الرحمن، فأمر بضرب عنقه، فهرب."
"سير أعلام النبلاء" 10/ 545
وهذا يدل على أن تكفيرهم للقائلين بخلق القرآن وغيرها يتناول الأعيان وهذا الأصل.
وهذا أبو القاسم الكعبي المعتزلي له كتاب في قبول الأخبار، طعن فيه في الكثير من الصحابة والتابعين وأهل الحديث بمسلك زندقي لإسقاط الأخبار، وعامة كلامه ساقط، غير أنه لفت نظري ما أنكره على سليمان التيمي:
قال الكعبي وهو يعدد مثالب التيمي: "ابن أبى خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة عن صدقة، قال: سمعت التيمى يقول: لو سئلت أين الله عز وجل؟ قلت: فى السماء، فإن قيل: فأين كان عرشه قبل السماء؟ قلت: على الماء، فإن قيل: فأين كان عرشه قبل الماء؟ قلت: لا أدرى.
وهذا رحمك الله كلام رجل لم يستقر عنده أن الله عز وجل قد كان ولا شئ معه".
كلام التيمي هذا ذكره البخاري في خلق أفعال العباد معتقداً إياه، وكلامه هذا هو اعتقاد السلفيين اليوم، وكلام الكعبي هو أقرب لاعتقاد متأخري الأشعري وهذا يؤكد كلام الشيخ.
وقال الذهبي في ترجمة الكعبي في تاريخ الإسلام: "روى عنه: محمد بن زكريّا، ودخل نسف فأكرموا مورده، إلا الحافظ عبد المؤمن بن خلف، فإنه ما سلم عليه وكان يكفره".
وقد قال الكعبي في مقدمة كتابه: "وإنما نريد هؤلاء الذين حدثوا فى دهرنا وقبله بقليل فحملوا دينهم على العصبية ودخلوا فيما ليس من شأنهم وخالفوا السلف، فتكلموا وطالبوا الرئاسة بإظهار التشبيه وغيره من فنون الكفر والضلال".
ثم تجد في الكتاب الطعن في عامة المحدثين ومنهم أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم كثير، بل طعن في الصحابة والتابعين والكعبي معتزلي متقدم متوفى عام 319 وهو ينسب المحدثين إلى التشبيه فهذا واضح أنهم أهل إثبات، وهذه التهمة من الكعبي عين تهمة الأشعرية لأهل السنة.
الثالث: أن كثيراً من متأخري الأشعرية صاروا يناظرون بأصول الفلاسفة لا أصول المتكلمين، وهذا من تأمله يراهم أبعد عن العذر والحال هذه.